اقتصاددوليسياسةمجتمع

المغرب في عهد الملك محمد السادس.. 27 عاما من التحولات الكبرى

على مدى سبعة وعشرين عاماً، عرف المغرب تحولات واسعة شملت مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية، في إطار رؤية استراتيجية قادها الملك محمد السادس، ارتكزت على تحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ السيادة الوطنية، مع الحفاظ على الاستقرار والانفتاح على المحيطين الإقليمي والدولي. ولم تقتصر هذه المرحلة على إطلاق مشاريع كبرى، بل اتسمت بإعادة صياغة علاقة الدولة بالمواطن، وربط الإصلاح السياسي بالتنمية، وجعل السيادة الوطنية جزءاً من مشروع متكامل يقوم على الدبلوماسية والاستثمار وتعزيز الحضور المغربي قارياً ودولياً.

وشهدت السنوات الأولى من العهد الجديد إطلاق مفهوم “السلطة الجديدة”، الذي أعاد تعريف دور الإدارة العمومية على أساس القرب من المواطنين وربط المسؤولية بخدمة التنمية المحلية. كما شكل إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 محطة بارزة في مسار حقوق الإنسان، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على كشف الحقيقة وجبر الضرر وترسيخ ضمانات عدم التكرار، فيما عزز إصلاح مدونة الأسرة، خلال السنة نفسها، مكانة المرأة والأسرة ضمن مشروع تحديث المجتمع المغربي.

وواصل المغرب خلال هذه المرحلة تثمين تنوعه الثقافي، بدءاً بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وصولاً إلى ترسيم اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية في دستور 2011، الذي شكل محطة مفصلية في مسار الإصلاح، بعدما وسع اختصاصات الحكومة والبرلمان، وعزز استقلال السلطة القضائية، ورسخ مؤسسات الحكامة وحقوق الإنسان، وأقر الجهوية المتقدمة باعتبارها خياراً استراتيجياً للتنمية.

واعتمد المغرب نهجاً يجمع بين الإصلاح والاستقرار، من خلال تطوير المؤسسات في إطار استمرارية الدولة، مع الحفاظ على رؤية استراتيجية طويلة المدى للمشاريع الوطنية الكبرى، بعيداً عن تغير الحكومات أو الدورات الانتخابية. كما أطلق الملك محمد السادس مبادرة إعداد النموذج التنموي الجديد، الذي جعل من تنمية الرأسمال البشري، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وإطلاق الطاقات الوطنية، محاور أساسية للمرحلة المقبلة.

وعلى المستوى الاجتماعي، انتقل المغرب من برامج محاربة الفقر والهشاشة، التي تجسدت في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، إلى بناء أسس الدولة الاجتماعية. وشكل إعلان تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2020 تحولاً نوعياً، مع توسيع التغطية الصحية لتشمل ملايين المواطنين، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر واعتماد السجل الاجتماعي الموحد لتوجيه الدعم إلى الأسر المستحقة. وبحلول سنة 2024، بلغ عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض 24.3 مليون شخص، مقابل 8.6 ملايين سنة 2021، فيما استفادت خلال سنة 2025 نحو 3.9 ملايين أسرة من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر.

وفي ملف الصحراء المغربية، شهدت المقاربة الرسمية تحولاً من منطق الدفاع إلى المبادرة، بعد تقديم مقترح الحكم الذاتي سنة 2007 باعتباره حلاً سياسياً في إطار السيادة الوطنية. وتزامن ذلك مع إطلاق مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، شملت البنيات التحتية والموانئ والطاقة والماء والاستثمار، بما عزز التنمية المحلية وربطها بالرؤية الاستراتيجية للمملكة.

وعزز المغرب حضوره القاري والدولي من خلال العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وإطلاق مبادرات استراتيجية، من بينها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، ومبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، ومشروع تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. كما شهدت السنوات الأخيرة اتساع دائرة الدعم الدولي لمغربية الصحراء، مع تزايد الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، وتعزيز مواقف عدد من الشركاء الدوليين الداعمة للموقف المغربي.

وتعكس حصيلة سبعة وعشرين عاماً من حكم الملك محمد السادس استمرار رؤية إصلاحية حافظت على ثبات أهدافها الاستراتيجية، مع تطوير آليات التنفيذ بما يواكب التحولات الوطنية والدولية. وأسهم هذا المسار في الانتقال من تحديث مؤسسات الدولة إلى ترسيخ الدولة الاجتماعية، ومن تثمين التنوع الثقافي إلى دسترته، ومن تدبير قضية الصحراء بمنطق الدفاع إلى اعتماد مقاربة ترتكز على المبادرة والتنمية والدبلوماسية، بما عزز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً ورسخ أسس التنمية والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى