نقابة FNE -التوجه الديمقراطي- بأسفي تضع اختلالات التدبير الجهوي تحت مجهر المساءلة دفاعا عن المدرسة العمومية!!
لم يكن اجتماع اللجنة الإقليمية للتتبع والتشاور المنعقد بمديرية وزارة التربية الوطنية بأسفي مجرد محطة إدارية لتقييم حصيلة الموسم الدراسي المنصرم واستشراف الموسم المقبل، بل تحول إلى فضاء لتشريح واقع المنظومة التربوية بالإقليم، بعدما قدمت الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE مرافعة نقابية متكاملة، كشفت من خلالها أن عددا من الإشكالات التي تعيشها المؤسسات التعليمية لم يعد مصدرها الإمكانيات المحدودة، بقدر ما أصبح مرتبطا بأعطاب الحكامة داخل بعض المصالح المركزية بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش-أسفي.
وقد اختارت الجامعة أن تخاطب المسؤولين بلغة الأرقام والوقائع، بعيدا عن منطق المزايدات أو الشعارات، مستندة إلى معطيات راكمتها عبر حضورها الميداني اليومي واحتكاكها المباشر بمختلف فئات الشغيلة التعليمية. لذلك جاءت مداخلتها شاملة، لامست الملفات الإدارية والمالية والتنظيمية والتربوية، وربطت بين جودة التدبير الإداري وجودة المدرسة العمومية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.
وأبرزت الجامعة أن تأخر صرف المستحقات المالية، وتعثر تسوية الملفات الإدارية، والارتباك الذي طبع تدبير الحركات الانتقالية، والخصاص في الموارد البشرية، لم تعد مجرد حالات معزولة، وإنما مؤشرات على وجود خلل في منظومة التدبير الجهوي، وهو خلل ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار المهني والنفسي للأطر التربوية والإدارية، ويؤثر، في نهاية المطاف، على حق التلميذات والتلاميذ في تعليم جيد.
وفي ملف التعليم الأولي، سجلت الجامعة موقفا متوازنا؛ فمن جهة، ثمنت قرار المديرية الإقليمية القاضي بإنهاء الشراكات مع عدد من الجمعيات المحلية التي أثبتت التجربة محدودية أدائها، معتبرة ذلك استجابة عملية لمطلب نقابي طالما دافعت عنه. ومن جهة أخرى، نبهت إلى أن تغيير الجهة المسيرة لا يمكن أن يشكل، في حد ذاته، ضمانة للإصلاح، ما لم تقترن هذه المرحلة الجديدة باحترام صارم لحقوق الأستاذات والأساتذة، وصيانة مكتسباتهم الإدارية والاجتماعية، وضمان الاستقرار المهني الذي يعد شرطا أساسيا لتحسين جودة التعلمات.
ولم تغفل الجامعة الملفات التي تؤرق مختلف فئات الشغيلة التعليمية، إذ أعادت إلى الواجهة قضية المستحقات المالية المتأخرة، سواء المرتبطة بالامتحانات الإشهادية أو بالتعويضات التكميلية أو بالأعباء الإضافية، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يبعث برسائل سلبية إلى الموارد البشرية، ويقوض الثقة في الإدارة، في وقت تحتاج فيه المدرسة العمومية إلى تعبئة جميع الفاعلين لإنجاح الإصلاح.
وفي السياق ذاته، دقت الجامعة ناقوس الخطر بشأن الخصاص المتفاقم في أطر الإدارة التربوية، وما يترتب عنه من ضغط متزايد على المديرين والحراس العامين والنظار ورؤساء الأشغال ومديري الدراسة، مؤكدة أن تدبير الموسم الدراسي الجديد يقتضي معالجة هذا الخصاص قبل انطلاق الدراسة، لا بعد ظهور تداعياته داخل المؤسسات.
كما امتد التشخيص ليشمل هيئة التأطير والمراقبة التربوية، والمختصين الاجتماعيين والتربويين، والمساعدين التربويين، حيث طالبت الجامعة بتمكين هذه الفئات من الوسائل البشرية واللوجستيكية والحقوق المالية التي تؤهلها للقيام بأدوارها الحيوية في مواكبة المؤسسات التعليمية، معتبرة أن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار تهميش هذه المكونات الأساسية للمنظومة.
ومن بين أكثر النقاط التي أثارت الانتباه في مداخلة الجامعة، انتقادها الصريح للاختلالات التي شابت تدبير الامتحانات الإشهادية، سواء على مستوى إعداد بعض المواضيع أو على مستوى التصحيح ومعالجة طلبات إعادة التصحيح، وهي اختلالات اعتبرتها الجامعة مسا مباشرا بمبدأي الإنصاف وتكافؤ الفرص، ودعت إلى إخضاعها لتقييم تربوي وإداري مسؤول يفضي إلى تصحيح مكامن الخلل.
غير أن الرسالة الأقوى التي حملها البلاغ تمثلت في دعوة مدير الأكاديمية الجهوية إلى ممارسة صلاحياته كاملة في تقييم أداء بعض المصالح الجهوية المعنية بتدبير الموارد البشرية والشؤون الإدارية والمالية والامتحانات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة داخل المنظومة، وضمان احترام الحقوق الإدارية والمالية للشغيلة التعليمية.
ويعكس هذا الموقف استمرار الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- بأسفي في أداء دورها كقوة اقتراحية وترافعية، لا تكتفي برصد الاختلالات، بل تقدم بدائل عملية وتربط بين الدفاع عن الحقوق المهنية للأطر التربوية والإدارية وبين الدفاع عن المدرسة العمومية باعتبارها مرفقا استراتيجيا للدولة والمجتمع.
وفي الوقت الذي تستعد فيه المؤسسات التعليمية لاستقبال موسم دراسي جديد، تبدو الرسائل التي وجهتها الجامعة أبعد من مجرد مطالب فئوية؛ فهي دعوة صريحة إلى ترسيخ حكامة إدارية حديثة، قوامها الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن إنصاف نساء ورجال التعليم، واحترام حقوقهم، وتحسين ظروف اشتغالهم، ليس امتيازا يمنح، بل شرطا أساسيا لإنجاح كل إصلاح تربوي حقيقي، وضمان مدرسة عمومية منصفة، ذات جودة، وقادرة على أداء رسالتها المجتمعية.






