يتجه المغرب نحو تعزيز موقعه على خريطة الاقتصاد الرقمي الإفريقي، من خلال تسريع الاستثمار في مراكز البيانات والبنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، في رهان يتجاوز البعد التكنولوجي ليشمل أيضاً تعزيز السيادة الرقمية وجذب الاستثمارات الدولية وخلق فرص جديدة أمام الكفاءات المغربية والإفريقية.
وتبرز في هذا السياق مجموعة من المشاريع الكبرى التي يجري الإعداد لها في عدد من مناطق المملكة، خصوصاً النواصر والداخلة، حيث تراهن السلطات والفاعلون الاقتصاديون على الجمع بين البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة لتطوير جيل جديد من مراكز البيانات القادرة على استضافة ومعالجة كميات ضخمة من المعطيات.
مشروع ضخم في النواصر
ومن أبرز المشاريع المرتقبة مركز بيانات مخصص للذكاء الاصطناعي في النواصر بضواحي الدار البيضاء، تقوده، وفق المعطيات المتداولة، شراكة تضم شركة Naver Cloud الكورية الجنوبية وNvidia الأمريكية، إلى جانب مشغل Nexus Core Systems.
ويقدر الاستثمار المرتقب في المشروع بنحو 1.2 مليار دولار، مع طموح للوصول على المدى الطويل إلى قدرة تناهز 500 ميغاواط، وهو ما يعكس حجم الرهان المغربي على تطوير بنية تحتية قادرة على مواكبة الطلب المتزايد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر أهمية المشروع على حجم الاستثمار، بل ترتبط أيضاً بإمكانية استقطاب شركات دولية تحتاج إلى قدرات حوسبة متقدمة وقريبة من الأسواق الأوروبية والإفريقية.
الداخلة تراهن على “البيانات الخضراء”
وفي جنوب المملكة، تتجه الأنظار إلى الداخلة، حيث يجري العمل على مشروع مركز بيانات يعتمد بشكل أساسي على الطاقات المتجددة.
وتقوم الفكرة على استغلال الإمكانات الكبيرة للمنطقة في مجال الطاقة الشمسية والريحية لتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل منشآت رقمية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين مسارين استراتيجيين بالنسبة للمغرب: التحول الرقمي والانتقال الطاقي، بما قد يمنح المملكة ميزة إضافية في سوق مراكز البيانات، الذي أصبح يبحث بشكل متزايد عن مصادر كهرباء مستقرة وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري.
موقع جغرافي يخدم الطموح الرقمي
ويستفيد المغرب من موقع جغرافي استثنائي يجعله قريباً من الأسواق الأوروبية، وفي الوقت نفسه بوابة نحو القارة الإفريقية.
كما ترتبط المملكة بشبكة من الكابلات البحرية الدولية التي تسمح بنقل البيانات بسرعة بين المغرب وأوروبا ومناطق أخرى من العالم، وهو عامل أساسي في اختيار مواقع مراكز البيانات.
وتمنح هذه المعطيات المغرب فرصة لتقديم نفسه كمنصة لاستضافة البيانات ومعالجتها بالنسبة للشركات التي تبحث عن موقع يجمع بين القرب من أوروبا والولوج إلى السوق الإفريقية.
من البنية التحتية إلى السيادة الرقمية
ولا ينحصر الرهان في الجانب الاقتصادي فقط، إذ تكتسب مراكز البيانات أهمية متزايدة على مستوى السيادة الرقمية.
فاستضافة جزء أكبر من البيانات داخل المملكة تعني تقليص الاعتماد على البنى التحتية الموجودة خارج القارة، وفتح المجال أمام تطوير خدمات رقمية محلية وإقليمية، فضلاً عن خلق وظائف في مجالات الحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
كما يمكن لهذه المشاريع أن تساعد على ظهور منظومة متكاملة تضم شركات التكنولوجيا والجامعات ومراكز البحث ومؤسسات التكوين.
المغرب لا يزال أمام منافسة قوية
ورغم هذه الطموحات، لا يزال المغرب بعيداً عن احتلال صدارة القارة من حيث عدد مراكز البيانات. وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى وجود نحو 211 مركز بيانات نشطاً في إفريقيا بنهاية 2025، مع تمركز عدد كبير منها في جنوب إفريقيا.
ويحتل المغرب، وفق الأرقام نفسها، المرتبة الخامسة قارياً، وهو ما يعني أن المشاريع الجديدة تستهدف أساساً تغيير موقع المملكة في خريطة البنية التحتية الرقمية الإفريقية خلال السنوات المقبلة.
غير أن المنافسة لن تكون سهلة، في ظل وجود أسواق إفريقية كبيرة تتوفر على بنية تحتية رقمية متطورة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بتكلفة الطاقة، وتوفر الكفاءات، والأمن السيبراني، وقدرة السوق المحلية والإفريقية على استيعاب القدرات الجديدة.
معركة الكفاءات تبدأ بالتوازي
ويبقى العنصر البشري أحد أهم شروط نجاح هذا التحول. فامتلاك مراكز بيانات ضخمة وتجهيزات متطورة لا يكفي وحده لبناء صناعة قوية في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في تكوين المهندسين والباحثين والمتخصصين في الحوسبة السحابية والبيانات والذكاء الاصطناعي، وربط المشاريع الصناعية بالجامعات ومراكز البحث.
رهان يتجاوز التكنولوجيا
ويبدو أن المغرب يتعامل مع البنية الرقمية باعتبارها جزءاً من استراتيجية اقتصادية وجيوسياسية أوسع، تقوم على تعزيز مكانته كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، واستقطاب الاستثمارات التكنولوجية، والاستفادة من الطاقات المتجددة، وتطوير صناعة رقمية قادرة على إنتاج قيمة مضافة محلية.
وبين مشاريع مراكز البيانات في النواصر والداخلة، وتوسيع شبكات الاتصالات والكابلات البحرية، وتطوير منظومة التكوين في الذكاء الاصطناعي، يسعى المغرب إلى الانتقال من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى فاعل إقليمي في بنيتها التحتية وصناعتها.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المشاريع والاستثمارات الضخمة إلى منظومة رقمية مستدامة، قادرة على جذب الشركات العالمية، وتكوين الكفاءات، وخلق فرص الشغل، وفي الوقت نفسه ترسيخ مكانة المغرب كواحد من أبرز المراكز الرقمية الصاعدة في إفريقيا.







