
أعادت الحكومة الجديدة بالمغرب النقاش حول مدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في تدبير الشأن العام. ويأتي ذلك بعد عودة عدد من الوزراء السابقين، مقابل تعيين وجوه جديدة في مناصب حكومية مختلفة.
وتواجه الحكومة انتظارات كبيرة من المواطنين. ويتعلق الأمر أساسًا بمحاربة الغلاء، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية.
وضمت التشكيلة الحكومية الجديدة 14 وزيرًا من الحكومة السابقة، مقابل إسناد 18 حقيبة وزارية إلى وجوه جديدة. ويطرح هذا التوازن تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الفريق الحكومي على تجاوز اختلالات التدبير السابق.
وتشمل قائمة الوزراء الذين احتفظوا بمناصبهم فاطمة الزهراء المنصوري، وعبد الوافي لفتيت، وناصر بوريطة، وعبد اللطيف وهبي، وأحمد التوفيق، وفوزي لقجع، ونزار بركة، ورياض مزور.
كما تضم القائمة محمد المهدي بنسعيد، وعز الدين المداوي، وعبد الصمد قيوح، وعبد اللطيف لوديي، وعمر حجيرة، وعبد الجبار الرشيدي.
وفي قراءة لهذه التغييرات، اعتبر المحلل السياسي محمد نشطاوي أن عودة بعض الوزراء لا تعني بالضرورة استمرار أساليب التدبير السابقة. وأوضح أن التغييرات التي طالت قطاعات اقتصادية واجتماعية مهمة قد تفتح المجال أمام اعتماد مقاربات جديدة.
وأشار نشطاوي، في تصريح لموقع «مدار21»، إلى أهمية التغييرات المرتبطة بقطاعات الاقتصاد والمالية والفلاحة والتعليم والصحة والتشغيل. وترتبط هذه القطاعات بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، سواء من حيث الأسعار أو فرص العمل أو جودة الخدمات الأساسية.
ويرى المحلل السياسي أن نجاح هذه التغييرات يرتبط بقدرة الحكومة على تحويلها إلى إجراءات عملية. كما شدد على ضرورة مراعاة ارتفاع الأسعار والتضخم، والعمل على تحسين الظروف الاجتماعية للأسر المغربية.
وانتقد نشطاوي تداعيات التدبير الحكومي السابق على القدرة الشرائية. وأشار إلى ارتفاع أسعار منتجات متعددة، وإلى ما اعتبره مظاهر للاحتكار في بعض القطاعات.
وأكد أن الحكومة الجديدة مطالبة بتقديم حلول ملموسة لهذه الاختلالات. كما دعا إلى محاربة الفساد والمحسوبية، وتعزيز المنافسة، وربط المسؤولية بالكفاءة والاستحقاق.
وفي السياق نفسه، أثار المحلل مسألة إسناد المسؤوليات داخل الأحزاب السياسية. وانتقد ما وصفه باستمرار المحاباة، خصوصًا داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
واعتبر أن بعض المسؤولين السابقين لم يمتلكوا، حسب تقديره، الكفاءة اللازمة لتدبير قطاعات معينة. وشدد على ضرورة اعتماد معايير واضحة لاختيار المسؤولين، بما يضمن تحسين أداء المؤسسات العمومية.
وتواجه الحكومة الجديدة أيضًا تحديات مرتبطة بضعف فرص الشغل وارتفاع تكاليف المعيشة. لذلك، يرى نشطاوي أن المواطنين ينتظرون نتائج ملموسة، وليس مجرد تغييرات في الأسماء والمناصب.
وعلى المستوى السياسي، اعتبر المحلل أن الأغلبية البرلمانية تمنح الحكومة هامشًا مريحًا للعمل. كما أن مشاركة أحزاب تتوفر على تجربة سياسية قد تساعد على تطوير البرنامج الحكومي وتحسين آليات تنفيذه.
وتنتظر الحكومة أوراش كبرى، في مقدمتها تطوير البنية التحتية استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030. ويتطلب هذا الورش استثمارات مهمة وتنسيقًا بين مختلف القطاعات.
لكن نشطاوي شدد على ضرورة ألا تقتصر هذه المشاريع على المدن الكبرى. ودعا إلى تقليص الفوارق المجالية، وتحسين ظروف العيش في المناطق التي تعاني نقصًا في الخدمات الأساسية.
كما دعا إلى الحد من نفوذ مجموعات الضغط الاقتصادية، وتعزيز المنافسة داخل الأسواق. وركز بشكل خاص على سوق المحروقات، مطالبًا بتسقيف الأرباح وإعادة تنشيط مصفاة «سامير».
ويرى المحلل أن هذه الإجراءات قد تساعد على تقوية المنافسة والحد من اختلالات السوق. كما دعا إلى إيلاء أهمية أكبر لقطاعات الصحة والتعليم والماء والتشغيل.
وشدد أيضًا على ضرورة إشراك الكفاءات والخبرات الوطنية في إعداد السياسات العمومية. وأكد أن المغرب يتوفر على خبرات قادرة على المساهمة في معالجة عدد من التحديات، شريطة توفير فرص المشاركة أمامها.
وتبقى قدرة الحكومة الجديدة على الاستجابة لانتظارات المواطنين العامل الحاسم في تقييم أدائها. فنجاحها يرتبط بتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، ومحاربة الاحتكار، وتطوير الخدمات الاجتماعية.
كما يتطلب النجاح اعتماد الكفاءة في إسناد المسؤوليات، وتعزيز المنافسة الشريفة، والانفتاح على الخبرات الوطنية. وهي تحديات ستحدد مدى قدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن المغربي في حياته اليومية.







