مجتمع

التعليم الأولي بأسفي… حين تصبح كرامة الأستاذات والأساتذة في مواجهة هشاشة التشغيل والتعاقد الملتبس!

واقعة 16 أكتوبر تعيد إلى الواجهة إشكالية الحقوق الشغلية والحوار مع مؤسسة زاكورة، ومطالب بعقود شغل واضحة وتسوية المستحقات الاجتماعية.

لم تعد الإشكالات التي تواجه أستاذات وأساتذة التعليم الأولي بالمغرب تقتصر على ظروف الاشتغال والإكراهات التربوية، بل امتدت لتشمل طبيعة العلاقة المهنية مع المؤسسات المشرفة على تدبير هذا القطاع، ومدى احترام الحقوق الشغلية والاجتماعية للعاملين والعاملات فيه. وفي هذا السياق، أعادت واقعة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 بمدينة أسفي النقاش حول كرامة الشغيلة التعليمية، وحدود المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الشريكة في تدبير التعليم الأولي، وضرورة إخضاع علاقات الشغل للقواعد القانونية المنظمة لها.


وتعود تفاصيل الواقعة إلى اللقاء الذي كان من المرتقب أن يجمع المدير العام لمؤسسة زاكورة للتربية والتعليم الأولي بأستاذات وأساتذة التعليم الأولي بآسفي، بغرض توقيع عقود الشغل ومناقشة الإكراهات المهنية والاجتماعية التي تواجههم. غير أن اللقاء، وفق المعطيات التي أوردتها الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE بأسفي، لم يجر وفق ما كان منتظرا، بعدما فوجئ الحاضرون بغياب المدير العام، والاكتفاء بإبلاغهم بضرورة الاستماع إلى كلمة له عن بعد، عبر هاتف المشرف التربوي.
وقد أثار هذا التدبير استياء جميع الأستاذات والأساتذة الحاضرين، خاصة أن بعضهم تكبد عناء التنقل من مناطق قروية بعيدة إلى مدينة أسفي، في انتظار تسوية وضعيته المهنية وتوقيع عقد الشغل، قبل أن يجد نفسه أمام صيغة للتواصل اعتبرها الإطار النقابي المعني غير منسجمة مع مقتضيات الاحترام والتقدير الواجبين للعاملين والعاملات.


ولم تكن ردة الفعل مجرد احتجاج على غياب مسؤول عن موعد محدد، بقدر ما عكست، بحسب الموقف النقابي، حالة من الاستياء إزاء الطريقة التي تتم بها معالجة ملفات مهنية واجتماعية تمس الاستقرار الوظيفي لفئة تضطلع بدور أساسي في تربية الأطفال في سنواتهم الأولى.
أمام ما اعتبروه تعاملا غير مسؤول مع انتظاراتهم، اختار الأستاذات والأساتذة الانسحاب الجماعي من اللقاء، في خطوة احتجاجية عبروا من خلالها عن رفضهم لأي تعامل ينتقص من كرامتهم أو يقلل من أهمية مطالبهم. كما توجهوا إلى المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بأسفي، حيث عقدوا لقاء مع المدير الإقليمي ورئيس مصلحة الشؤون التربوية، بمؤازرة من مسؤولي الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE بأسفي.


وقد شكل هذا اللقاء مناسبة لعرض جملة من المطالب التي تتجاوز الواقعة في حد ذاتها، لتلامس جوهر الإشكال المرتبط بأوضاع الشغيلة العاملة في التعليم الأولي، ولا سيما ما يتعلق بطبيعة العقود المقترحة، وتسوية المستحقات المالية، والتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضمان احترام الالتزامات القانونية والتعاقدية المرتبطة بتدبير هذا القطاع.


ومن هذه الزاوية، فإن الاحتجاج لا يمكن اختزاله في خلاف عابر حول طريقة تنظيم لقاء تواصلي، بل يطرح سؤالا أوسع بشأن موقع الأستاذات والأساتذة في منظومة التعليم الأولي، ومدى تمتعهم بالحقوق التي يفترض أن تواكب مسؤولياتهم التربوية، خصوصا في ظل ما يتطلبه العمل بالمناطق القروية من تضحيات مهنية واجتماعية إضافية.
في صلب هذا الملف، تبرز مسألة العقود المقترحة على الأستاذات والأساتذة، وما تثيره من تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة المهنية التي تنظم اشتغالهم، والآثار القانونية المترتبة عنها.
وتؤكد الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE أن تسمية العقد لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للالتفاف على الحقوق الشغلية، مشددة على أن تحديد الطبيعة القانونية للعلاقة بين الطرفين يقتضي النظر في حقيقتها الفعلية، وطبيعة العمل المنجز، وشروط ممارسته، ومدى توافر العناصر القانونية التي تؤطرها، وليس الاكتفاء بالتسمية الواردة في الوثيقة التعاقدية.


وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بأستاذات وأساتذة راكموا سنوات من الخبرة في مجال التعليم الأولي، بما يجعل طرح صيغ تعاقدية جديدة، دون معالجة وضعيتهم المهنية والاعتراف بحقوقهم المستحقة، مدخلا لمخاوف مشروعة بشأن الاستقرار المهني والاجتماعي لهذه الفئة.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس مجرد توقيع وثائق تعاقدية كيفما كانت طبيعتها، وإنما إرساء علاقات شغل واضحة، تستند إلى المقتضيات القانونية الجاري بها العمل، وتحدد الحقوق والواجبات بصورة دقيقة، وتحول دون أي تأويل أو ممارسة من شأنهما المساس بالحقوق المكتسبة أو المستحقة.


إلى جانب إشكالية العقود، يطرح الملف ضرورة تسوية المستحقات المالية المرتبطة بفترات العمل الفعلية، وضمان التصريح بالأستاذات والأساتذة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتمكينهم من الحقوق الاجتماعية وفق الشروط والمقتضيات القانونية ذات الصلة.
فالأجر المستحق عن العمل المنجز ليس امتيازا تمنحه الجهة المشغلة متى شاءت، بل حق يرتبط بالالتزامات الناشئة عن علاقة الشغل. كما أن الحماية الاجتماعية ليست مسألة ثانوية يمكن إرجاؤها إلى أجل غير محدد، وإنما تشكل أحد المقومات الأساسية للاستقرار المهني وصون الكرامة الإنسانية.
ولا يستقيم الحديث عن تطوير التعليم الأولي وتحسين جودة خدماته التربوية في ظل استمرار مخاوف مرتبطة بالأجور والتغطية الاجتماعية، أو في غياب وضوح كاف بشأن الوضعية القانونية والمهنية للعاملين والعاملات فيه.


إن جودة التعليم تبدأ، في جانب أساسي منها، من توفير شروط الاستقرار والإنصاف للأطر التي تتولى تنفيذه ميدانيا؛ إذ لا يمكن مطالبة الأستاذات والأساتذة ببذل مزيد من الجهد والتفاني، دون ضمان حقوقهم واحترام التزامات الجهات المشغلة تجاههم.
لا يقف هذا الملف عند حدود العلاقة بين الأستاذات والأساتذة ومؤسسة زاكورة للتربية والتعليم الأولي، بل يطرح أيضا مسألة تتبع تنفيذ الالتزامات المرتبطة بتدبير أقسام التعليم الأولي في إطار الشراكة القائمة مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش-أسفي.
وفي هذا الإطار، تشدد الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- على ضرورة التقيد بمقتضيات دفتر التحملات المتوافق عليه، مع ترتيب المسؤوليات بشأن أي إخلال بالالتزامات الواردة فيه، كل في نطاق اختصاصاته القانونية والتعاقدية.


وتكتسي هذه المسؤولية أهمية خاصة بالنظر إلى أن التعليم الأولي يمثل مرحلة تأسيسية في المسار الدراسي للطفل، وأن استقرار الأطر العاملة فيه يشكل شرطا من شروط استمرارية الخدمات التربوية وانتظامها. لذلك، فإن معالجة الإشكالات الاجتماعية والمهنية للأستاذات والأساتذة لا ينبغي أن تنفصل عن النقاش المتعلق بجودة التعليم الأولي وحكامة تدبيره.
كما أن دور الجهات الإدارية المعنية لا يقتصر على مواكبة الجوانب التنظيمية والتربوية، بل يشمل، في حدود اختصاصاتها، تتبع مدى احترام الالتزامات المقررة، والتفاعل مع المطالب التي تستدعي تدخلا مؤسساتيا مسؤولا، بما يحفظ حقوق العاملين والعاملات ويصون المصلحة الفضلى للأطفال.
لقد أبرزت واقعة أسفي أهمية العمل النقابي في تأطير المطالب المهنية والاجتماعية، وتحويل الاحتجاج الفردي إلى موقف جماعي يستند إلى الحوار والترافع والدفاع المنظم عن الحقوق.


فمؤازرة مسؤولي الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE بأسفي للأستاذات والأساتذة، وانتقالهم معهم إلى المديرية الإقليمية لعرض مطالبهم، يعكسان أهمية التضامن النقابي في مواجهة الاختلالات التي قد تطبع علاقات الشغل، خصوصا عندما تكون الفئات المعنية في وضعية مهنية هشة أو تفتقر إلى ضمانات كافية للاستقرار.
وفي هذا السياق، أعلن المكتب الإقليمي لأساتذة وأستاذات التعليم الأولي المنضوي تحت لواء الجامعة تشبثه بمطالبه، داعيا إلى فتح حوار جدي ومسؤول مع ممثلي الشغيلة، وتسوية المستحقات المالية والاجتماعية، وإبرام عقود شغل واضحة تحترم التشريع الجاري به العمل، إلى جانب دعوة الجهات الإدارية المعنية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها في تتبع الملف.


كما أكد المكتب عزمه مواصلة الدفاع عن المطالب العادلة والمشروعة للشغيلة التعليمية، والاستعداد لخوض الأشكال النضالية التي تقتضيها تطورات الملف، معلنا المشاركة المكثفة في الوقفة الاحتجاجية الوطنية التي دعا إليها التنسيق الوطني يوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري أمام البرلمان بالرباط.
تكشف هذه الواقعة، في أبعادها المهنية والاجتماعية والنقابية، أن تطوير التعليم الأولي لا يمكن أن يتحقق بمجرد توسيع العرض التربوي أو إحداث أقسام جديدة، بل يقتضي أيضا بناء علاقات شغل سليمة، وضمان الحماية الاجتماعية، واحترام كرامة الأطر التربوية، وإقرار حوار مؤسساتي جاد بشأن مطالبها وانتظاراتها.


فالأستاذات والأساتذة الذين يتحملون مسؤولية تربية الأجيال الصاعدة، ولا سيما في المناطق القروية التي تفرض تحديات إضافية، ليسوا مجرد موارد بشرية لتغطية الحاجيات التربوية، بل فاعلون أساسيون في بناء المدرسة المغربية. ومن غير المقبول أن يظل الاعتراف بأهمية أدوارهم منفصلا عن ضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية.
إن تجاوز الوضع القائم يمر عبر تسوية الملفات العالقة، وتوضيح الطبيعة القانونية للعلاقات المهنية، واحترام الالتزامات التعاقدية، واعتماد الحوار باعتباره مدخلا لمعالجة الخلافات، لا الاكتفاء بتدبيرها بمنطق الأمر الواقع.


وفي نهاية المطاف، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية تدبير خلاف بين مؤسسة مشرفة على التعليم الأولي وشغيلة تطالب بحقوقها، بل بمدى قدرة منظومة التعليم الأولي على تحقيق الانسجام بين أهدافها التربوية والتزاماتها الاجتماعية والقانونية.
فلا إصلاح تربويا حقيقيا دون إنصاف العاملين والعاملات فيه، ولا جودة تعليمية مستدامة في ظل الهشاشة المهنية، ولا علاقات شغل سليمة دون احترام القانون والكرامة والحوار المسؤول.
إن كرامة أستاذات وأساتذة التعليم الأولي ليست موضوعا للمساومة، وحقوقهم الشغلية لا تسقط بتغيير التسميات، بل تظل ضمانة أساسية لأي مشروع جاد يروم الارتقاء بالتعليم الأولي وصون مكانته داخل المنظومة التربوية الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى