فضيحة على الهواء: وزير الشباب يعترف بالوساطة في لقاءات المسؤولين

ما حدث في برنامج “مباشرة معكم” مساء الأربعاء لم يكن مجرد نقاش محتدم بين وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد ورئيس النقابة الوطنية للصحافة عبد الكبير اخشيشن، بل كان لحظة سياسية فاضحة خرج فيها المستور إلى العلن بطريقة لا تخلو من قصد. فعندما قال الوزير موجهاً حديثه لرئيس النقابة: “عيطتي ليا ودخل ليك واحد الأخ باش تجي عندي ”، لم يكن يفضح فقط مرور التواصل عبر وساطة، بل كان يتعمّد تعرية ضيفه أمام الجمهور، وكأنه يوجه إليه ضربة محسوبة في قلب البث المباشر.
الجملة بدت بعيدة كل البعد عن العفوية. كانت أقرب إلى سهم سياسي أراد به الوزير إحراج خصمه النقابي وإظهاره بمظهر من يطرق أبواب الوزارة عبر “الأخ”، لا عبر المؤسسة. لقد جاءت العبارة في لحظة توتر واضحة، ما يجعلها تبدو كجزء من عملية تصفية حسابات علنية، استخدم فيها الوزير معلومة من الكواليس لتقزيم الطرف الآخر أمام ملايين المشاهدين والحاضرين في الأستوديو. وكأن لسان حاله يقول: “حتى أنت محتاج الوساطة قبل ما تلقاني”. إنها لحظة أُقحم فيها المنصب العمومي في معركة شخصية لا تليق بمقام المسؤولية.
ما يزيد من خطورة المشهد أن هذا الاعتراف جاء من وزير مسؤول عن قطاع يُفترض أن يكون حاملاً لقيم الشفافية والمساواة بين الفاعلين. فإذا كانت لقاءات المسؤول الحكومي تُعقد بفضل هواتف “الأخوة”، فكيف يمكن إقناع المهنيين الآخرين بأن أبواب الوزارة مفتوحة بشكل متكافئ؟ وكيف يمكن مطالبة الجسم الصحفي بالاحترافية بينما أحد رموز المؤسسة يتباهى، في لحظة ضغط، باستخدام الوساطة كسلاح لإحراج مخاطبه؟
لقد أظهر الوزير من خلال عبارته أن العلاقات الخاصة ما زالت، في ذهن بعض المسؤولين، ممرّاً موازياً يسبق القنوات الرسمية. والأسوأ أنه لم يتردد في استعمال هذا “الممرّ” لنسف صورة ضيفه النقابي، لا لتوضيح حقيقة، بل لتقليص مكانته وتوجيه صفعة رمزية أمام الجمهور. إنها لحظة تماهى فيها السلوك السياسي مع الرغبة في الهيمنة داخل النقاش، ولو على حساب صورة الدولة.
وما وقع لم يكن زلة لسان تُنسى، بل كان مرآة لذهنية تعتبر الوساطة أمراً عادياً يمكن استعماله عند الحاجة، سواء لعقد اللقاءات أو لكسب نقاط في المواجهات. قال الوزير عبارته بثقة، بلا تردد، وهو ما يكشف أنها لم تكن كلمة طائشة، بل قناعة جاهزة للاستعمال عند أول احتكاك. وفي الدول التي تحترم قواعد الشفافية، كلمة من هذا النوع قد تكفي لإحراج وزير، أو حتى لإسقاطه سياسياً. أما هنا، فيبدو أن البعض ما زال يعتقد أن الرأي العام لن ينتبه… أو لن يعترض.
لكن الجمهور انتبه. فهم المشاهدون سريعاً أن الجملة لم تُستخدم فقط لفضح طريقة عقد اللقاء، بل لفضح خصمٍ داخل المواجهة. لقد كشفت العبارة هشاشة في تصور المؤسسة، وأظهرت أن أبواباً يُفترض أن تُفتح بالمساطر الرسمية تُفتح أحياناً بعلاقات خاصة، وأن هذه العلاقات نفسها يمكن أن تتحول إلى ذخيرة في النقاش السياسي.
إنها لحظة صغيرة في زمن قصير، لكنها رفعت الستار عن حقيقة كاملة: هناك من ما زال يتعامل مع الوساطة باعتبارها امتيازاً يعمل في الخفاء… ويمكن التلويح به في العلن عندما تشتد المواجهة. وهذه، في جوهرها، هي الفضيحة الحقيقية.







