آسفي تستغيث: كم يحتاج أخنوش من الشهداء ليتحرّك بعد الليلة الثقيلة؟

عبد الإله الواثيق
كم يحتاج رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، من الأرواح التي تُزهق، ومن المآسي التي تتكرر، حتى يقتنع بأن مسؤوليته لا تُختزل في البلاغات الباردة ولا في الصمت المريب؟
ما الذي يجعل واقعة آسفي تمرّ وكأنها حادث عابر في الهامش، لا تستدعي عناء الانتقال ولا حتى تفاعلًا سياسيًا يرقى إلى حجم الفاجعة؟ نحن أمام مأساة مركّبة، ضربت الإنسان في حياته، والمدينة في اقتصادها، والمجتمع في تماسكه.
حسب آخر حصيلة رسمية للسلطات المحلية، تجاوز عدد القتلى 37 ضحية، رقم صادم بما يكفي لإعلان الحداد الوطني، ولاتخاذ قرارات استثنائية تليق بحجم الفاجعة. لذلك لم يكن غريبًا أن يطالب نشطاء وفاعلون مدنيون بإعلان آسفي منطقة منكوبة، بعد أن تبيّن أن ما جرى يتجاوز حادثًا عرضيًا إلى كارثة حقيقية.
ولم تقف المأساة عند حدود الأرواح فقط.
منطقة باب الشعبة، القلب التجاري النابض لآسفي، تحولت إلى جرح مفتوح. مئات التجار تضرروا بشكل مباشر، خسروا محلاتهم وسلعهم ورؤوس أموالهم، بعضهم فقد مصدر رزقه الوحيد، وبعضهم الآخر وجد نفسه مثقلًا بفاجعة إنسانية بعدما فقد قريبًا أو فردًا من عائلته، ليجتمع الألم الإنساني مع الانهيار الاقتصادي في مشهد واحد قاسٍ.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في لوائح التعويض، بل أسر كاملة باتت مهددة في قوتها اليومي، ومدينة شُلّ شريانها التجاري في لحظة، دون أن تلوح في الأفق أي مبادرة حكومية في مستوى الحدث.
ومع ذلك، ظل رأس السلطة التنفيذية بعيدًا… بعيدًا عن المكان، وبعيدًا عن حجم المأساة.
في بلجيكا، سنة 2021، لم يتردد رئيس الحكومة بعد سقوط نحو ثلاثين قتيلًا في فيضانات مماثلة. انتقل فورًا إلى عين المكان، أعلن الحداد، وأكد أن الأرواح ليست أرقامًا، بل مسؤولية سياسية مباشرة.
أما في آسفي، فالأرقام تتزايد، والخسائر تتضاعف، لكن الفعل السياسي ما يزال غائبًا.
فهل أصبح مواطنو آسفي مواطنين من درجة ثانية؟
وهل مئات التجار الذين فقدوا أقاربهم، وأموالهم، واستقرار عائلاتهم، خارج حسابات الدولة؟
ما جرى ليس مجرد كارثة طبيعية، بل امتحان حقيقي لمعنى المسؤولية السياسية. وحين تُحصد الأرواح، ويُدمَّر مصدر عيش مئات الأسر، يصبح الصمت الرسمي موقفًا لا يمكن تبريره ولا تبرئة أصحابه منه.
لن نصمت، ولن يهدأ لنا بال.
لأن السيل هذه المرة لم يبلغ الزُّبى فقط، بل حصد الأرواح، وضرب العائلات في عمقها، وفضح الغياب حين يكون الحضور واجبًا لا خيارًا.







