تسرب المرجان بمركز الغياث… هل يكشف تأخر التراخيص عن مسؤولية تنظيمية لـ المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية؟

أعاد تسرب مخلفات معاصر الزيتون (المرجان) إلى التجمعات السكانية بمركز الغياث طرح أسئلة عميقة حول منظومة الترخيص والمراقبة، ومدى نجاعة التنسيق بين المتدخلين في تدبير هذا النشاط الموسمي ذي الأثر البيئي الواضح.
ففي الوقت الذي تضررت فيه بالوعات الصرف الصحي بسبب الضغط الكبير وتهالك بنيتها، ما أدى إلى خروج كميات مهمة من المرجان نحو الأحياء السكنية، برز معطى تنظيمي لا يقل أهمية عن الجانب التقني، ويتعلق بوضعية عدد كبير من معاصر الزيتون التي تشتغل دون ترخيص صحي.
بحسب معطيات مهنيين بالقطاع، فإن عدداً مهماً من طلبات الحصول على الشهادة الصحية ما يزال عالقاً، وهو ما يطرح تساؤلات حول وتيرة معالجة الملفات ومدى ملاءمتها مع الطابع الموسمي لنشاط عصر الزيتون. فالتأخر في الإفراج عن التراخيص لا ينعكس فقط على الوضعية القانونية للوحدات، بل يمتد أثره إلى منظومة جمع ومعالجة المخلفات.
تصريح عمر محب، رئيس جمعية اتحاد أرباب معاصر الزيتون، لموقع “الجهة24”، ألقى بدوره الضوء على هذه الإشكالية، حين أكد أن الاتحاد يضم 14 معصرة فقط، ويشترط للانضمام توفر المعصرة على شهادة صحية مسلمة من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، مضيفاً أن “أغلب معاصر الزيتون بالمنطقة لا تتوفر على هذا الشرط”. كما أشار إلى أن عدد المعاصر بالمنطقة يفوق 44 وحدة، ما يعني أن الغالبية تشتغل خارج إطار الاتحاد ولا تستفيد – وفق تصريحه – من آلية الجمع والمعالجة التي يوفرها المركز الجديد.
هذا المعطى يكشف معادلة معقدة: شرط الحصول على الترخيص الصحي أصبح بوابة إلزامية للانخراط في المنظومة المنظمة لتصريف المرجان، غير أن محدودية عدد الوحدات المرخصة تطرح احتمال وجود اختناق إداري أو مسطري. وفي حال ثبوت وجود تأخر غير مبرر في معالجة الملفات، فإن ذلك قد يكون ساهم بشكل غير مباشر في توسع دائرة الاشتغال غير المهيكل، وما يرتبط به من ممارسات تصريف عشوائي.
من زاوية المسؤولية المؤسساتية، فإن دور المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية لا يقتصر على منح التراخيص، بل يشمل أيضاً التأطير والمراقبة وضمان احترام المعايير الصحية والبيئية. وبالتالي، فإن أي فجوة زمنية بين إيداع طلبات الترخيص والبت فيها، خصوصاً خلال موسم حيوي، قد تتحول إلى عامل ضغط يدفع بعض المهنيين إلى حلول غير قانونية لتدبير مخلفاتهم.
في المقابل، تبقى مسؤولية أرباب الوحدات قائمة من حيث عدم جواز الاشتغال دون ترخيص، كما تتحمل السلطات المحلية جانباً من المسؤولية في ما يتعلق بمراقبة التصريف العشوائي وحماية البنية التحتية للصرف الصحي.
غير أن ما يجعل تصريح رئيس الاتحاد ذا دلالة خاصة، هو كونه يربط بشكل غير مباشر بين شرط الترخيص الصحي وإمكانية الولوج إلى منظومة المعالجة المنظمة، ما يعني أن أي بطء أو تعثر في مسطرة الترخيص ينعكس تلقائياً على البيئة المحلية.
يبقى السؤال الجوهري: هل كان بالإمكان تفادي مشهد تسرب المرجان إلى الأحياء السكنية لو كانت وتيرة الترخيص أكثر نجاعة وانسيابية؟ سؤال يضع المنظومة التنظيمية برمتها أمام اختبار الفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة.






