كتاب وآراءمجتمع

رادار كشف الغش يضع المنظومة التربوية في قفص الاتهام: مشروعية الردع أم مصادرة للحقوق؟

بقلم: عبد الإله الوثيق | رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بالمغرب

في مشهد أثار حفيظة الرأي العام الحقوقي والتربوي، وثقت صورة واسعة الانتشار ممارسة مستفزة داخل إحدى قاعات الامتحانات الإشهادية بالمغرب. هذه الوثيقة البصرية لم تنقل مجرد “تدبير إداري” روتيني لمحاربة الغش، بل فجرت نقاشاً قانونياً حارقاً يسائل مدى التزام المنظومة التربوية بالمرجعيات الدستورية والمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة، واضعةً في الوقت ذاته شركاء أساسيين في قفص الاتهام.

أولاً: انتهاك حرمة الجسد والمس بالسلامة الصحية والمعنوية
تُظهر الصورة موظفاً عمومياً يوجه جهاز كشف إلكتروني بمحاذاة جسد تلميذة قاصر، في وضعية توحي بالاستعلاء وتفتقر لأبسط شروط اللباقة التربوية. يشكل هذا السلوك خرقاً سافراً للفصل 22 من الدستور المغربي الذي ينص صراحة على أنه “لا يجوز معاملة الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية”. كما يضرب في الصميم المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر تعريض أي طفل لمعاملة مهينة.


إلى جانب البعد الأخلاقي، يبرز هاجس السلامة البدنية؛ إذ كيف يُسمح بتعريض أجساد المراهقين والكوادر التربوية لموجات وإشعاعات إلكترونية مجهولة القوة والمصدر، دون الإدلاء بدراسات تقنية وشهادات مطابقة علمية تثبت خلوها من الأضرار الصحية على المديين القريب والبعيد؟ إن التكتم أو غياب الشفافية حول طبيعة هذه الأجهزة يعد استهتاراً غير مبرر بالحق الدستوري في الصحة والسلامة الجسدية.


ثانياً: مصادرة الخصوصية واغتيال “الحق في النسيان الرقمي”
إن التقاط تلك الصورة وتداولها على نطاق واسع دون إذن صريح من التلميذة أو أولياء أمرها الشرعيين، لا يندرج ضمن حرية التعبير، بل هو مخالفة صريحة للفصل 24 من الدستور الضامن لحماية الحياة الخاصة، وجريمة مكتملة الأركان وفق القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
علاوة على ذلك، فإن تخليد هذه الواقعة في محركات البحث العالمية يصادر حق الفتاة في “النسيان الرقمي” (Right to be forgotten) — وهو حق أصيل تكفله المعايير الحقوقية الحديثة — مما يهدد استقرارها النفسي والاجتماعي مستقبلاً، ويجعلها في وضعية “المدانة افتراضياً” مدى الحياة دون أي محاكمة أو ذنب.


ثالثاً: نسف قرينة البراءة وتكريس “العقاب الجماعي”
تتجلى خطورة هذه المقاربة الزجرية في لجوء الإدارة، بمجرد الشك، إلى التفتيش الفردي لجميع تلاميذ القاعة. هذا الإجراء التعسفي ينسف المبدأ الحقوقي الكوني القائم على “قرينة البراءة”، والذي يؤكد أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته. وهو مبدأ راسخ في الفصل 119 من الدستور والمادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إن تحويل قاعة الامتحان إلى ساحة لـ “الاشتباه الجماعي” يعتمد منطقاً مقلوباً يرى في الجميع متهمين حتى يُثبتوا العكس. هذا الضغط الممنهج يدمر السيكولوجية الحساسة للمراهقين في محطة مصيرية ومحددة لمستقبلهم، ليتحول الجهاز من أداة لضبط تكافؤ الفرص إلى آلية للتشويش والترهيب النفسي.


رابعاً: عشوائية التدبير وشبهة التمييز غير المبرر
عززت شهادات ميدانية لبعض الأطر التربوية المكلفة بالحراسة المخاوف بشأن عشوائية توظيف هذا الجهاز الذي وُصف بـ “البدائي”. فالعجز التقني عن تغطية كافة القاعات قبل انقضاء نصف الوقت القانوني وخروج التلاميذ، واقتصار استخدامه على قاعات بعينها داخل مؤسسات كبرى، يسقط الوزارة الوصية في فخ “التمييز غير المبرر”، المحظور دستورياً وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إن هذه الانتقائية في المراقبة تخدش مصداقية الامتحان، وتجعل من إنفاذ القانون مجرد إجراء تمييزي يخضع للمزاجية والارتجال، بعيداً عن الصرامة المعيارية التي تتطلبها الامتحانات الوطنية.


خامساً: جمعيات الآباء: غياب الشريك وتكلس التمثيلية
أمام هذا المشهد المنتهك لكيان التلميذ، يبرز تساؤل حارق: أين هو دور جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ؟ هذه الهيئات التي أُسست بقوة القانون والضرورة لتكون الدرع الواقي للمصلحة الفضلى للتلميذ، ولتضمن له بيئة تربوية آمنة؛ أين انشغلت عن مبرر وجودها في عز هذه الأزمات النفسية والحقوقية التي تعصف بأبنائها؟
يشير الواقع المرير بأصابع الاتهام إلى البنية التنظيمية لهذه الجمعيات؛ إذ تحول أغلب ممثليها إلى “وجوه خالدة” ابتعدت بحكم السن عن فهم السيكولوجية المعقدة لجيل الرقمنة. هذا التكلس والشيخوخة التنظيمية جعلا من بعض هذه الإطارات مجرد ملحقات إدارية تنشغل بتدبير اليومي، عوض أن تقف كخط دفاع أول مدني وحقوقي يحمي المراهقين من الشطط.


سادساً: خلاصة حقوقية
لا يختلف اثنان على أن محاربة الغش وضمان تكافؤ الفرص مطلب شرعي ومجتمعي بامتياز، إلا أن القاعدة الفقهية والحقوقية الراسخة تقر بأن “المشروعية لا تُنال بالتعسف وأدوات الانتهاك”. كان حرياً بوزارة التربية الوطنية أن تستنير بكفاءاتها القانونية لابتكار آليات رقابية ذكية تحفظ هيبة الامتحان وتصون كرامة الممتحنين في آن واحد. كما أصبح لزاماً على جمعيات الآباء تجديد دمائها المتهالكة لتكون في مستوى التحديات. إن الردع لا يعني الترهيب، وصيانة كرامة التلميذ تظل جزءاً لا يتجزأ من هوية المؤسسة التربوية، والتزاماً لا محيد عنه يفرضه الدستور والمواثيق الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى