تقاريرمجتمع

اشتراط الفرنسية في برامج دعم المقاولات الشبابية: مساءلة قانونية ومراجعة ضرورية

أثار برنامج ” CONFEJES/PPEJ” لعام 2026، الذي أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل جدلا كبيرا في أوساط المهتمين بالسياسات العمومية، بسبب اشتراط التواصل باللغة الفرنسية للمشاركة فيه. وهو شرط يستوجب المراجعة النقدية من منظور اجتماعي وقانوني ودستوري على حد سواء

البرنامج يهدف إلى دعم المقاولات الشبابية رافعةً أساسية لتحويل الطاقات الكامنة لدى الشباب المغربي إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتتمحور المجالات المستهدفة فيه حول الزراعة العائلية، وتدبير البيئة، والخدمات المحلية، وهي قطاعات يمارسها شباب يعملون في بيئات محلية وبأسواق محلية. والحال أن المعيار المنطقي لقبول المشاريع ينبغي أن يُقاس بالجدوى الاقتصادية، وقدرة المشروع على خلق الثروة وفرص الشغل، لا بلغة بعينها. ويُفضي هذا الاشتراط إلى نتيجة لا يمكن إغفالها، إقصاء فئات واسعة من الشباب الحاملين لأفكار إبداعية، لمجرد أنهم تلقّوا تعليمهم في منظومة التعريب الجامعي أو في مناطق يُشكّل فيها التعليم بالفرنسية رفاهيةً لا ضرورة.

هذا الإشكال لا يقف عند حدود التساؤل عن الجدوى، بل يمتد إلى طرح التساؤل عن المشروعية. فقد حرصت الحكومة المغربية، عبر منظومة من المناشير الرسمية، على إلزام الإدارات والمؤسسات العمومية باستعمال اللغة العربية في تعاملاتها الرسمية، من تحرير القرارات إلى طلبات العروض والمراسلات الإدارية. كما أصدرت المحاكم الإدارية المغربية أحكاما قضت بأن الوثائق والقرارات الصادرة بلغة أجنبية تُعدّ مثار طعن بالإلغاء، لكونها تحرم المواطن من حق الفهم ومخاطبة الإدارة بلغة رسمية. ولعل المفارقة الواضحة في هذه الحالة هو أن الوزارة ذاتها، المُلزَمة قانونا بالتخاطب بالعربية، تجعل الفرنسية معيارا للقبول في برنامج موجه لمواطنين مغاربة.

هذا ويُرسي الفصل الخامس من دستور المغربي العربيةَ لغةً رسمية للدولة إلى جانب الأمازيغية، كما يُلزم الفصل الحادي والثلاثون الدولةَ والمؤسساتِ العموميةَ بالعمل على تيسير ولوج الشباب إلى الشغل والاستثمار على قدم المساواة. وما يُثير القلق الحقيقي هو أن اشتراطا كهذا لا يتعارض مع مبدأ المساواة وحسب، بل يعكس غياب التوافق بين السياسات الوزارية التطبيقية من جهة، والإطار الدستوري والقانوني السائد من جهة أخرى.

ما يُطالَب به ليس إلغاء البرنامج، بل مراجعة شروطه لتتلاءم مع حجم التنوع الذي يمثله الشباب المغربي. إن الحوكمة الرشيدة في إدارة البرامج التنموية تقتضي أن تكون معايير الاستهداف محايدة ثقافيا متوافقة قانونيا، لأن التمييز غير المقصود في السياسات العمومية لا يقل عن التمييز المقصود. والتدارك المبكر لهذه الإشكالية ليس مجرد استجابة لمطالب، بل هو مؤشر على نضج مؤسسي حقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى