في مختلف المدن المغربية، يظل مدفع رمضان من أبرز الرموز المرتبطة بالمناسبات الدينية، إذ لا يقتصر صداه على الإعلان عن موعدي الإفطار والإمساك، بل يمتد ليبشر بحلول العيد.
فمنذ قرون، اضطلعت المدافع، إلى جانب أدوارها العسكرية، بأدوار اجتماعية ورمزية، تنبه الناس إلى أوقات الصيام وتواكب الاحتفالات الدينية، لتصبح جزءا أصيلا من التراث الثقافي المغربي.
ومع مرور الزمن، حافظ هذا التقليد على مكانته في الوجدان الجماعي، متحديا التطور التكنولوجي، ومؤكدا قدرة التراث المغربي على البقاء حيا بين الأجيال، حاملا رسالة التواصل بين الماضي والحاضر.
وإذا كان صوت المدفع يختزل لحظات الإفطار والاحتفال، فإن جذور هذا التقليد تعود إلى قرون خلت، حيث يرجح عدد من الباحثين ظهوره بالمغرب مع بداية استعمال البارود خلال القرن السادس عشر، في فترة الدولة السعدية. وفي سياق تلبية حاجة تواصلية، بدأ استخدام المدافع يتخذ بعدا اجتماعيا، قبل أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى طقس يرتبط على الخصوص بالاحتفالات الدينية في الوجدان الجماعي للمغاربة.
وفي مدينة سلا، ظل مدفع رمضان شاهدا على استمرارية هذا التقليد، النابض بإيقاع الشهر الفضيل، والملازم لمحطات الاحتفال الديني، وفي مقدمتها العيد، في تجسيد حي لطقوس راسخة عبر الزمن.
وفي هذا الإطار، قال المهتم بتوثيق الذاكرة السلاوية، محمد فؤاد قنديل، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن المدافع كانت بمدينة سلا مرابطة ببرج الدموع، مشيرا إلى أن المدينة، وإن كانت “محروسة بالله” نظرا لموقعها الجغرافي المتميز وصعوبة اقتراب سفن الأعداء من سواحلها الرملية الضحلة، فإن المدافع كانت تضطلع بدور بالغ الأهمية، سواء في التنبيه أو في الإعلان عن بشارة.
وأوضح أن من بين العائلات التي توارثت هذه المهنة بسلا، آل الزعري، مضيفا أن آخر طلقة مدفع خاصة بالمناسبات الدينية أطلقت بالمدينة من طرف مختص سلاوي كانت سنة 1968، قبل أن تنتقل المهمة إلى جهة أخرى.
وأبرز أن الشخص الذي يتولى عملية تحضير المدفع وإطلاقه كان يسمى “الطبجي” (جندي المدفعية)، لافتا إلى أن عملية الإطلاق كانت تتم خلال شهر رمضان بعد التقاط الإشارة من أعلى صومعة المسجد الأعظم بمدينة سلا.
وأضاف أن إعداد المدفع وإطلاقه كانا يتمان وفق مراحل دقيقة، تبدأ بتنظيف السبطانة باستخدام أداة خشبية مغطاة بصوف الخروف، تسمى “السطوبة”، أو بفرشاة لإزالة بقايا الاحتراق، يليها فحص دقيق لجسم المدفع لرصد أي تشققات أو تآكل، مع الحرص على صيانة السبطانة المصنوعة من سبائك فولاذية أو نحاس.
وسجل أن عملية الإطلاق كانت تحكمها طقوس وتقاليد دقيقة، حيث كان “الطبجي”، بعد تنظيف المدفع وملئه بالبارود، يغير لباسه العادي ويرتدي زي “المحصور”، قبل أن يعتلي موقعه لإطلاق الطلقات في هيئة احتفالية مهيبة تعكس رمزية هذا الطقس ووقاره.
وأوضح أن هذا الزي، المسمى أيضا “اللبسة الخماسية”، يتكون من “سروال قندريس”، وصدريتين “البدعية”، وسترة “الكبوط “، وحزام “الكرزية”، والبلغة الصفراء، مشيرا إلى أن لباس “المحصور” يكون مطرزا بشرائط ذهبية من “السفيفة” و”المجدول”، ويعكس زخارف على الطراز المغربي الأصيل.
ومع استمرار هذا التقليد العريق، يظل مدفع رمضان أكثر من مجرد وسيلة للإعلان، بل رمزا حيا للذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للمدينة.
فرغم مرور القرون وتغير الأزمنة، يبقى صدى المدفع يجمع بين روحانية الشهر الفضيل وبهجة الاحتفال بالعيد، مؤكدا أن التراث المغربي قادر على التجدد وإعادة إنتاج معانيه وقيمه التليدة.







