مجتمع

أسعار الأضاحي تثير الجدل.. تساؤلات حول حقيقة وفرة القطيع الوطني

يشهد ملف الأضاحي والقطيع الوطني بالمغرب نقاشاً متواصلاً مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل تباين واضح بين الأرقام الرسمية التي تتحدث عن وفرة في العرض، وبين واقع الأسواق الذي يعكس ارتفاعاً في الأسعار وصعوبة متزايدة لدى عدد من الأسر في اقتناء الأضحية.

وفي هذا السياق، أكد عبد الحق البوتشيشي، مستشار فلاحي معتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أن المعطيات المتداولة حول وجود توازن مريح بين العرض والطلب لا تعكس بشكل دقيق حقيقة ما يجري ميدانياً داخل أسواق الماشية، موضحاً أن الطلب على الأضاحي يبدو أكثر دينامية من العرض المتوفر، خاصة مع استمرار الإقبال القوي للمستهلكين خلال هذه الفترة.

وأوضح البوتشيشي أن “الكساب”، باعتباره فاعلاً اقتصادياً، لا يمكنه الاحتفاظ بالحولي بعد العيد في ظل ارتفاع تكاليف التربية والأعلاف، وحاجته لتحقيق هامش ربح يضمن استمرارية نشاطه، وهو ما يجعل السوق يعيش ضغطاً متزايداً كلما اقترب موعد عيد الأضحى.

ورغم ذلك، شدد المتحدث على أن الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية تؤكد وجود وفرة في الأضاحي، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تم بناؤها على عمليات إحصاء رسمية للقطيع الوطني، وهو ما يجعل التشكيك فيها أمراً معقداً، خاصة وأن المعطيات نفسها كانت قد اعتمدت خلال السنة الماضية.

وكانت الحكومة قد أعلنت، خلال السنة الماضية، عن تسجيل تراجع مهم في القطيع الوطني بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما دفع إلى إطلاق برامج لإعادة تشكيل القطيع، تضمنت منع ذبح صغار المجترات، ودعم الأعلاف، إضافة إلى تقديم دعم مباشر لإناث الأغنام والماعز بهدف تشجيع التوالد واستعادة التوازن داخل القطاع.

وفي هذا الإطار، كشف البوتشيشي أن عملية إعادة بناء القطيع شملت كذلك مشروعاً واسعاً لترقيم الماشية وإحصائها، وهو الورش الذي تطلب ميزانيات مهمة وإجراءات تنظيمية واسعة، مضيفاً أن الأرقام الرسمية تحدثت لاحقاً عن بلوغ القطيع الوطني حوالي 40 مليون رأس، من بينها نحو 30 مليوناً من الأغنام والماعز.

غير أن الواقع الميداني، بحسب المتحدث، يطرح تساؤلات عديدة حول مدى قدرة هذه الأرقام على تلبية حاجيات الأسر المغربية، التي يقدر عددها المعتادة على إحياء شعيرة عيد الأضحى بما بين 6 و7 ملايين أسرة، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الإقبال على الخرفان الصغيرة.

ويرى المستشار الفلاحي أن ما حدث خلال الموسم الحالي يفرض على الجهات الرسمية تقديم توضيحات للرأي العام بشأن حقيقة وضعية القطيع، مبرزاً أن المواطنين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات واضحة في اقتناء الأضاحي رغم الحديث الرسمي عن الوفرة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مآل برامج الدعم وإعادة التشكيل.

وأشار إلى أن استمرار ذبح الخرفان الصغيرة والإناث يشكل خطراً على المخزون الاستراتيجي للقطيع الوطني، معتبراً أن إعادة التوازن تتطلب العودة إلى إجراءات صارمة تمنع ذبح صغار المجترات والإناث لفترة مؤقتة، بهدف دعم التوالد والحفاظ على استدامة القطاع.

كما دعا إلى الإسراع، مباشرة بعد عيد الأضحى، في فتح باب استيراد الأغنام بشكل أوسع لتغطية حاجيات السوق الوطنية، محذراً من أن أسعار لحوم الغنم قد تتجاوز 150 درهماً للكيلوغرام في حال استمرار الضغط على القطيع المحلي دون تدخل سريع.

وشدد المتحدث أيضاً على ضرورة مراقبة أسعار الأعلاف وتتبع الشركات المستوردة والوسطاء، من أجل الحد من المضاربات وضمان استقرار تكاليف الإنتاج، مؤكداً أن إصلاح قطاع تربية الماشية يتطلب رؤية طويلة المدى توازن بين حماية “الكساب” وضمان القدرة الشرائية للمستهلكين.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى ملف القطيع الوطني وأسعار الأضاحي من أبرز التحديات المطروحة حالياً، خاصة مع ارتباطه بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى مزيد من الشفافية والوضوح بخصوص الأرقام الرسمية والسياسات المعتمدة لإعادة هيكلة القطاع الفلاحي بالمملكة.

زر الذهاب إلى الأعلى