دولي

إيران: احتجاجات داخلية وتهديدات إسرائيلية تنذر بحرب قادمة

تعيش إيران في الأيام الأخيرة مرحلة شديدة الحساسية، يتداخل فيها الغضب الاجتماعي الداخلي مع تصعيد خارجي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، في مشهد يعيد إلى الواجهة سيناريوهات الحرب المفتوحة في منطقة تعيش على وقع توترات متراكمة.

وتتزامن هذه التطورات مع استحضار المواجهة العسكرية التي اندلعت في يونيو من السنة الماضية، حين شنت إسرائيل هجوماً مباغتاً على مواقع داخل إيران، أعقبه تبادل للقصف الصاروخي بين الطرفين، ما جعل شبح التصعيد الشامل حاضراً بقوة من جديد.

ومنذ 28 ديسمبر 2025، تشهد مدن إيرانية عدة احتجاجات اجتماعية بسبب التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، وانخفاض قيمة الريال، وارتفاع الأسعار. وانطلقت التحركات من السوق الكبير في طهران، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى، مستقطبة فئات مختلفة من المجتمع، من تجار وموظفين إلى طلبة جامعيين.

ومع مرور الأيام، سجلت البلاد سقوط قتلى وجرحى، واتساع رقعة التوتر خارج العاصمة، وعودة المظاهرات الليلية، ما دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية. وأفادت وسائل إعلام رسمية بمقتل ثلاثة أشخاص في هجوم استهدف مقراً أمنياً في محافظة لرستان، إضافة إلى مقتل عنصر من قوات “الباسيج” في مدينة كوهدشت، إلى جانب توقيف عشرات المحتجين وفتح تحقيقات قضائية.

ورغم تأكيد المسؤولين المحليين استعادة الهدوء في بعض المناطق واعتقال من تصفهم السلطات بقادة الاحتجاجات، فإن اتساع التظاهرات إلى مدن صغيرة وعودة التحركات الليلية يوحيان بأن الغضب الاجتماعي لم يُحتوَ بعد، حتى وإن بقيت هذه الاحتجاجات أقل اتساعاً مقارنة بحراك أواخر 2022 الذي أعقب وفاة مهسا أميني.

وتُظهر هذه الاحتجاجات، رغم طابعها المعيشي، هشاشة التوازن الاجتماعي في ظل العقوبات الاقتصادية وتراجع الموارد، ما يضع النظام الإيراني أمام معادلة معقدة بين احتواء الشارع وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد يستثمرها خصومه الخارجيون.

في موازاة ذلك، تصاعد الخطاب الأميركي الإسرائيلي تجاه طهران بشكل لافت. فقد أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً واسعاً، بعدما أعلن أنه يراقب الوضع في إيران عن كثب، ولوّح بتدخل أميركي في حال استخدام القوة ضد المتظاهرين، معتبراً أن استمرار ما وصفه بقمع المحتجين قد يدفع واشنطن إلى توجيه ضربة قوية لإيران.

كما كثفت إسرائيل تهديداتها خلال الأسابيع الأخيرة، حيث دعا مسؤولون عسكريون إسرائيليون إلى الاستعداد لما سموه حرباً مفاجئة، في وقت تواصل فيه تل أبيب التلويح بتوسيع رقعة المواجهة لتشمل أكثر من جبهة، من إيران إلى لبنان وغزة، ضمن سياق إقليمي بالغ التعقيد.

وتربط هذه التهديدات بتراجع النفوذ الإيراني في بعض ساحات المنطقة، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها سوريا، إضافة إلى الضربات الصاروخية الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية خلال الصيف الماضي، وأسفرت عن مقتل قادة عسكريين بارزين وتدمير منشآت حساسة.

في المقابل، رفضت طهران تصريحات واشنطن ووصفتها بذريعة مكشوفة للتدخل في شؤونها الداخلية. وأكدت الخارجية الإيرانية أن الولايات المتحدة تملك سجلاً طويلاً من التدخلات العدائية، مستحضرة أحداثاً تاريخية مثل انقلاب عام 1953 وإسقاط طائرة مدنية إيرانية سنة 1988، فضلاً عن دعم عمليات اغتيال وهجمات استهدفت البنية النووية الإيرانية.

وشدد المسؤولون الإيرانيون على أن بلادهم ستتعامل مع تحدياتها عبر الآليات الداخلية، دون السماح لأي طرف خارجي باستغلال الاحتجاجات لتحقيق أجنداته، محذرين في الوقت نفسه من أن أي تدخل عسكري سيغرق المنطقة بأكملها في الفوضى ويعرّض المصالح الأميركية والإسرائيلية للخطر.

ورغم التصعيد الإسرائيلي، حذرت وسائل إعلام عبرية من محدودية الجاهزية العسكرية في حال اندلاع حرب جديدة مع إيران، مشيرة إلى تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى إسرائيل وحلفائها، وصعوبة تعويضه في المدى القريب، ما قد يضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام تحديات غير مسبوقة.

وأمام هذه المعطيات المتشابكة، تقف إيران عند مفترق طرق دقيق، حيث قد يؤدي القمع إلى منح خصومها ذرائع إضافية للتصعيد، في حين قد يفتح التراخي الباب أمام اتساع الغضب الداخلي. وبين هذين الخيارين، تترقب واشنطن وتل أبيب تطورات المشهد بحثاً عن لحظة مناسبة لفرض وقائع جديدة.

وفي ظل هذا التوازن الهش، تبقى المنطقة بأسرها معرضة لخطر الانزلاق نحو مواجهة واسعة، قد تتجاوز حدود إيران لتشعل الشرق الأوسط برمته، في حال انفلتت الحسابات أو تم استثمار الاحتجاجات الداخلية كوقود لحرب إقليمية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى