مجتمع
استجداء ‘المعجزة’ في زمن ‘المسؤولية’: كيف نسفت عصا برادة السحرية رواية الحكومة حول تجويد وضعية نساء ورجال التعليم؟

تأتي تصريحات وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة الجديد، سعد برادة، التي يتمنى فيها امتلاك “عصا سحرية” لتحسين وضعية الأستاذ والمدير والمفتش، لتكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي “المتفائل” وبين الواقع المرير الذي يعيشه الشغيلة التعليمية. هذا التصريح، رغم ظاهره الإنساني، يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً وصريحاً بأن ما تم إنجازه حتى الآن لا يرقى للحد الأدنى من تطلعات “سواعد بناء الوطن”.
- اعتراف ضمني بهشاشة الوضعية
حين يتحدث المسؤول الأول عن القطاع بلغة “المستحيل” أو “التمني الإعجازي”، فهو يقرّ بأن الوضعية الحالية للعاملين بالتربية والتعليم غير سوية. هذا الاعتراف ينسف الرواية الحكومية التي حاولت تصوير “النظام الأساسي” الجديد والاتفاقات الأخيرة كطفرة نوعية. إن الحاجة لـ “عصا سحرية” تعني أن الأدوات السياسية والمالية الحالية فاشلة في رد الاعتبار للأستاذ، الذي يظل الحلقة الأضعف في منظومة يُراد لها أن تربي أجيال المستقبل بميزانيات لا تلامس كرامة المربي. - من بنموسى إلى برادة: إرث “الحراك” والتملص من الالتزامات
لا يمكن فهم تصريح برادة بمعزل عن كرونولوجيا الأزمة التي بلغت ذروتها في سنة 2023. ففي عهد سلفه “شكيب بنموسى”، شهد المغرب واحداً من أطول الإضرابات في تاريخه، شلّ المدارس العمومية لشهور.
- اتفاقات الورق: وقعت الحكومة اتفاقات (10 و26 دجنبر) وُصفت بالتاريخية، لكن سرعان ما تبخرت الوعود عند عتبة التنفيذ.
- سياسة التسويف: بدلاً من أجرأة حقيقية للمكاسب المادية والمعنوية، دخلت الوزارة في مسلسل من “الاجتماعات الماراطونية” التي أفرغت الاتفاقات من محتواها، مما خلق شعوراً بالخيانة لدى القواعد التعليمية.
- استراتيجية “رمي الجمرة” للحكومة المقبلة
يبدو أن المقاربة الحكومية الحالية تعتمد على الزمن كأداة للإنهاك. فإدراج تنفيذ الالتزامات في مسلسلات طويلة من التدقيق والتقييم واللجن التقنية ليس إلا محاولة لكسب الوقت حتى نهاية الولاية الانتدابية.
هذا السيناريو يهدف إلى ترحيل الأزمات العالقة إلى “حجر” الحكومة المقبلة، لتبدأ الأخيرة من “نقطة الصفر” عبر طلب مهل جديدة للتشخيص والتقييم، مما يدخل القطاع في حلقة مفرغة من الانتظارية القاتلة التي يدفع ثمنها التلميذ والمدرس على حد سواء. - جوهر المهمة مقابل فتات الجهود المالية
تزعم الحكومة أنها بذلت مجهودات مالية استثنائية، لكن لغة الأرقام تظل باردة أمام التضخم وانهيار القدرة الشرائية. إن الاستثمار في “العنصر البشري” ليس مجرد بنود ميزانية، بل هو قرار سياسي يضع التعليم فوق كل اعتبار.
إن حصر الحل في “العصا السحرية” هو هروب من المسؤولية السياسية تجاه فئة يُفترض أنها تبني “المغرب الممكن”. فالمفتش والمدير والأستاذ ليسوا بحاجة لمعجزات، بل لـ إرادة سياسية تلتزم بما وقعت عليه وتؤمن بأن بناء الإنسان أغلى من كل الأجندات السياسوية الضيقة.
خلاصة القول: إن كلام الوزير برادة هو بمثابة “شهادة وفاة” مبكرة لفعالية الاتفاقات السابقة، ودليل على أن الأزمة في قطاع التعليم ليست تقنية أو مالية فحسب، بل هي أزمة ثقة مستفحلة بين سلطة تمارس التسويف، وشغيلة لم تعد تؤمن بوعود “العصا السحرية” في زمن يحتاج إلى قرارات واقعية وجريئة.






