تعيش أسعار المحروقات بالمغرب ارتفاعاً غير مسبوق، فقد تجاوز سعر اللتر الواحد ثلاثة دراهم. جاء هذا الارتفاع على دفعتين متتاليتين، وذلك قبل انقضاء المدة القانونية للمخزون الاستراتيجي للبلاد. أثارت هذه الموجة من الزيادات مخاوف واسعة بشأن قدرة السلطات على ضبط السوق. كما شككت في إمكانية حماية القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة.
في هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي محمد جدري بأن القانون المغربي يُلزم الشركات بالاحتفاظ بمخزون استراتيجي للوقود يكفي 60 يوماً. لكنه أشار إلى أن هذا الإلزام لا يُطبق غالباً على أرض الواقع. تتراوح مستويات المخزون الحقيقية بين 24 و31 يوماً فقط. يرى جدري أن هذا الفراغ القانوني يعرض سوق المحروقات بالمغرب لصدمات سعرية دولية مفاجئة.
وأضاف جدري أن العقوبات المنصوص عليها قانونياً لا تُطبق عملياً. تصل قيمة هذه العقوبات إلى خمسة دراهم عن كل متر مكعب غير مخزن. كما تُفرض عن كل يوم تأخير. وشدد الخبير على أن الوضع يتجاوز كونه مجرد خلل في السوق. بل هو أزمة حوكمة حقيقية. توجد قواعد دون احترام وعقوبات دون تطبيق، مع غياب شبه كامل للرقابة الفعالة. وهذا يعمق أزمة أسعار المحروقات في البلاد.
وكشف الخبير جدري أن سوق المحروقات في المغرب يشهد سيطرة عدد محدود من الشركات. تتحكم ثلاثة كيانات فقط في أكثر من نصف هذا السوق الحيوي. فيما يمتلك تسعة فاعلين أكثر من 80% من الحصص. هذه الهيكلية تُعرف اقتصادياً بـ “الأوليغوبول” أو الاحتكار القلة. في مثل هذه الأسواق، تتوازى الأسعار غالباً بين الفاعلين الرئيسيين. تبقى المنافسة محدودة للغاية. هذا الوضع يسمح بالحفاظ على هوامش ربح عالية. لكنه يأتي على حساب المستهلك المغربي مباشرة، ويؤثر على الاقتصاد المغربي بشكل عام.
ولخص جدري الوضع الحالي بالقول إن النظام القائم يخدم مصالح الفاعلين الاقتصاديين. يجمع هذا النظام بين تسعير يضمن أرباحهم، ومخزون استراتيجي غير كاف. كما يتجاهل تطبيق العقوبات المنصوص عليها. كل هذا يجري في سوق شديد التركيز. وهكذا، يصبح المستهلك المغربي هو الطرف الخاسر الأكبر. انتقد الخبير كذلك آلية تطبيق التغيرات في الأسعار. فالزيادات تُطبق فوراً وبسرعة. بينما تتأخر الانخفاضات لفترات طويلة. هذا يحدث تحت مبرر “تكلفة الاستبدال”. ورغم أن هذا المنطق قد يبدو سليماً نظرياً، إلا أنه يخلق اختلالاً دائماً. هذا الاختلال يكون لصالح الشركات وعلى حساب المواطن المغربي. لذلك، تحتاج أزمة المحروقات بالمغرب لحلول جذرية تضمن عدالة الأسعار.





