سياسةكتاب وآراء

تزكية هناوي للإنتخابات البرلمانية ، هل يلعب بنكيران بالنار ضد الدولة ؟

في لقاء سابق جمعني بالأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، طرحت عليه سؤالاً بدا حينها أكبر من مجرد استفسار سياسي عابر. قلت له: أنتم تعلنون باستمرار رفضكم للتطبيع مع إسرائيل ولمسار العلاقات المغربية الإسرائيلية، وتؤكدون أن موقفكم “ثابت” لا يتغير، لكن ماذا لو عدتم إلى رئاسة الحكومة؟ هل ستعملون ضد اختيارات الدولة؟ وهل يمكن لحزب يقود السلطة التنفيذية أن يتحرك بمعزل عن التوجهات الاستراتيجية للمملكة، خاصة وأن العلاقات المغربية الإسرائيلية أصبحت اليوم جزءاً من معادلة دبلوماسية وأمنية وسياسية تتجاوز الحسابات الحزبية؟

ابن كيران اختار يومها عدم التعليق، وربما كان يدرك أن الجواب عن هذا السؤال يضع الحزب في منطقة شديدة الحساسية، بين منطق المعارضة السياسية ومنطق الانسجام مع اختيارات الدولة الكبرى. لكن ما لم يقله الرجل بشكل مباشر آنذاك، يبدو أن حزبه يحاول التعبير عنه اليوم بطريقة مختلفة، بعد تزكية عزيز هناوي للترشح باسم الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

هناوي، المعروف بمواقفه الحادة تجاه التطبيع، لم يكتف في خرجات سابقة بانتقاد العلاقات المغربية الإسرائيلية، بل تجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى مهاجمة اختيارات الدولة بشكل مباشر، وهو ما جعل تزكيته تثير الكثير من علامات الاستفهام داخل المشهد السياسي. فهل يتعلق الأمر بقناعة سياسية داخل الحزب؟ أم أن العدالة والتنمية يحاول مجدداً استثمار ملف التطبيع لاستعادة جزء من شعبيته المفقودة بعد السقوط المدوي في انتخابات 2021؟

اللافت أن الحزب نفسه لم يتردد، عقب تلك الانتخابات، في توجيه اتهامات مباشرة إلى وزارة الداخلية والسلطة، معتبراً أن هناك تدخلاً أثّر على النتائج وساهم في إسقاطه سياسياً. وهي اتهامات ظلت حاضرة، بدرجات متفاوتة، في خطاب عدد من قيادييه خلال السنوات الماضية. وإذا كانت قيادة الحزب تؤمن فعلاً بأن انتخابات 2021 لم تكن مستقلة بالكامل، كما كانت تروج، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي تغير حتى يعود الحزب بهذا النفس التصعيدي؟ وما هي الضمانات التي حصل عليها حتى يطمئن إلى أن سيناريو 2021 لن يتكرر؟

بل إن الأمر يذهب إلى أبعد من ذلك. فإذا كانت اتهامات الحزب صحيحة، فهل يمكن أن يؤدي الدفع بشخصيات مثيرة للجدل مثل عزيز هناوي، المعروف بخطابه الحاد تجاه قضايا تعتبرها الدولة استراتيجية، إلى إعادة إنتاج أجواء التوتر والصدام السياسي؟ وهل يدرك الحزب أن العودة إلى خطاب التصعيد في ملفات حساسة قد تُقرأ باعتبارها محاولة لاختبار حدود العلاقة مع الدولة ومؤسساتها؟

في المقابل، يرى متابعون أن عبد الإله ابن كيران يحاول إعادة تعبئة القاعدة الحزبية عبر العودة إلى الملفات التي تمنح الحزب زخماً شعبياً، وعلى رأسها ملف التطبيع، خاصة أمام تراجع الأحزاب المهيمنة وشغور الساحة السياسية بالمغرب. غير أن هذا الرهان، بحسب مراقبين، يحمل في طياته مخاطرة سياسية، لأنه يضع الحزب مرة أخرى في منطقة رمادية بين المعارضة المشروعة وبين خطاب قد يُفهم منه وجود مواجهة غير مباشرة مع اختيارات الدولة.

اليوم، وبين خطاب يتحدث عن احترام المؤسسات والثوابت، وممارسات توحي أحياناً بالرغبة في التصعيد السياسي، يجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة حقيقية تحتاج إلى أجوبة واضحة: هل تغيّر العدالة والتنمية فعلاً بعد هزيمة 2021؟ أم أنه يعيد إنتاج نفس الخطاب الذي أدخله في صدامات سياسية سابقة، لكن هذه المرة بوجوه أكثر حدة وشعارات أكثر استفزازاً؟

زر الذهاب إلى الأعلى