مجتمع

نقص اليد العاملة في الحقول المغربية: هل أصبح المهاجرون الأفارقة الحل؟

في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تشتد حرارة الشمس في سهول سوس ماسة، تتجمع عشرات الوجوه المتعبة على جانب الطريق الرئيسي في آيت عميرة. رجالٌ قدموا من بلدان بعيدة في غرب إفريقيا، يحملون أكياسًا صغيرة وأحلامًا أكبر، ينتظرون شاحنات تقلّهم إلى الضيعات الزراعية الممتدة تحت أغطية بلاستيكية لا نهاية لها.

عبد الفتاح، شاب في الثالثة والعشرين من عمره، يقف بينهم بصمت. لم يكن هذا ما تخيّله حين غادر توغو قبل سنوات. كان هدفه أوروبا. حاول الوصول إلى سبتة، لكن رحلته توقفت هناك. نُقل جنوبًا، ليستقر به الحال في هذه البلدة الزراعية، حيث وجد شيئًا لم يكن في الحسبان: عمل.

يقول وهو يمسح عرقه بعد يوم طويل في قطف الطماطم: “العمل هنا أفضل من التسول في الشوارع”.
جملة بسيطة، لكنها تختصر تحوّلًا أعمق بكثير.

لم يعد المغرب مجرد محطة عبور في طريق الهجرة نحو أوروبا، بل أصبح وجهة بحد ذاته، على الأقل بالنسبة لآلاف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء. في الحقول التي تنتج الفواكه والخضراوات المصدّرة إلى الأسواق الأوروبية، يعمل هؤلاء لسدّ فراغ تركه المغاربة أنفسهم.

فخلال السنوات الأخيرة، غادر كثير من شباب القرى نحو المدن، مدفوعين بفرص العمل في البناء والخدمات. ومع الجفاف وتراجع الزراعة المعيشية، لم يعد العمل في الأرض خيارًا جذابًا كما كان. النتيجة: قطاع فلاحي يعاني نقصًا متزايدًا في اليد العاملة.

في هذا الفراغ، وجد المهاجرون فرصة—ولو كانت بشروط قاسية.

في آيت عميرة، التي تضاعف عدد سكانها عدة مرات خلال عقود قليلة، بات حضور العمال القادمين من الجنوب مشهدًا يوميًا. عند “الموقف”، كما يسميه السكان، تبدأ المفاوضات كل صباح: أجر يومي مقابل ساعات طويلة من العمل الشاق.

لكن الفارق كبير.
بينما قد يصل دخل العامل المغربي إلى 500 درهم في اليوم في بعض الحالات، يكتفي كثير من المهاجرين بنحو 100 درهم فقط. بعضهم ينام في العراء، ويوفّر كل درهم على أمل تحسين ظروفه أو ادخار ما يكفي لمواصلة الرحلة.

أليون ديالو، عامل سنغالي في الثامنة والأربعين، شاهد هذا التحول بعينيه منذ عام 2008. يقول إن العمال المغاربة، مع تقدمهم في السن أو انتقالهم إلى المدينة، تركوا مكانهم تدريجيًا لعمال من إفريقيا جنوب الصحراء.
لكن بالنسبة له، تغيّر الحلم أيضًا. لم يعد يفكر كثيرًا في أوروبا. ابنته تذهب إلى مدرسة محلية، وتتحدث الدارجة والأمازيغية. الحياة، بطريقة ما، بدأت تستقر هنا.

ورغم أن جزءًا من هؤلاء العمال حصل على وضع قانوني خلال السنوات الماضية، إلا أن الغالبية لا تزال تعمل بشكل غير رسمي، في ظروف تفتقر إلى الحماية والخدمات الأساسية.

في المقابل، يرى مزارعون أن هذا التحول ضرورة. فمع التوسع في الزراعات التصديرية التي تتطلب يدًا عاملة كثيفة، أصبح الاعتماد على العمال المهاجرين أمرًا شبه حتمي. بدونهم، قد تضطر بعض الضيعات إلى تقليص الإنتاج أو الإغلاق.

ومع اقتراب مشاريع كبرى، مثل الاستعدادات لكأس العالم 2030، يُتوقع أن يتزايد الطلب على العمالة في المدن، ما سيعمّق نزيف اليد العاملة في القرى. وهو ما يعني أن اعتماد القطاع الزراعي على المهاجرين قد يصبح أكثر رسوخًا.

هكذا، في الحقول التي تُطعم أسواقًا بعيدة، تتشكل قصة جديدة للهجرة في المغرب.
قصة لا تبدأ عند الحدود… ولا تنتهي عندها.

زر الذهاب إلى الأعلى