اقتصادتقارير

ثلث الاقتصاد المغربي في الظل

كوثر قلقازي–تراند نيوز

فاطمة (46 سنة) تستيقظ كل يوم قبل الفجر، تحمل طاولتها الصغيرة وبضاعتها المتواضعة، وتنصبها على قارعة الطريق قرب السوق الأسبوعي. لا عقد عمل، لا تأمين صحي، لا تقاعد في الأفق. لكنها تُعيل ثلاثة أطفال وتدفع الكراء في الموعد.

يوسف (28 سنة) تخرج من الجامعة قبل سنوات، يشتغل طوال اليوم على دراجته النارية ساعياً للتوصيل لإحدى التطبيقات بدل من الجلوس في البيت عاطلا عن العمل. يعمل عشر ساعات يومياً، ويتقاضى أجراً بالطلب لا بالشهر. حلم بوظيفة مستقرة بعد تخرجه، لكن سوق الشغل لم يتركه أمام أحد.

قصتان مختلفتان، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة. كلاهما يشتغل خارج المنظومة الرسمية، لا لأنه اختار ذلك، بل لأن المنظومة لم تختره. وهذا بالضبط ما يجعل ملف الاقتصاد غير المهيكل في المغرب أعمق بكثير من مجرد أرقام ضريبية.

ليست قصة يوسف ولا فاطمة الوحيدتين، فالآلاف من القصص المغربية الأخرى اتخدت من قطاعات الاقتصاد غير المهيكل ملجأ لها تقيها من وحشة التعطل عن العمل، وتؤمن لها احتياجاتها اليومية.

المغرب الذي لا تراه الإحصاءات

 بنك المغرب يُقدّر حجم الاقتصاد غير المهيكل بنحو 30% من الناتج الداخلي الإجمالي، وإن كان يصعب تحديده بدقة، أي أن درهماً من كل ثلاثة دراهم تُنتج في البلاد يبقى خارج أي رقابة أو سجل رسمي. وإذا كان هذا هو التقدير الرسمي، فالرقم الحقيقي يفوق المعلن عليه على الأغلب، خاصة أن طبيعة هذا الاقتصاد تجعله بتعريفه بعيدا عن أي إحصاء شامل ودقيق.

القطاع غير المهيكل في المغرب، لا يقتصر على الباعة المتجولين والحرفيين التقليديين كما يتصور كثيرون. فهو يمتد ليشمل سائقي سيارات الأجرة غير المرخصة، وعمال البناء الذين يشيدون نصف المدن المغربية دون عقود، والخياطات اللواتي يشتغلن من بيوتهن، والميكانيكيين الذين يصلحون السيارات في الأزقة، وحتى خريجي الجامعات الذين وجدوا في التطبيقات الرقمية ملاذاً مؤقتاً تحول إلى دائم. إنه ليس قطاعاً هامشياً في أطراف الاقتصاد، بل نسيج موازٍ يعيش داخله مغرب حقيقي ويُوفّر وحده ما يقارب 80% من إجمالي اليد العاملة فرصة عمل تعجز المنظومة الرسمية عن استيعابها.

الدولة تنظر إلى هذا القطاع بعين واحدة، عين الضريبة الضائعة والإيرادات المهدرة، وهي الخسائر المقدرة بنحو 34 مليار درهم سنوياً. وفي كل مناسبة، يُستحضر هذا الرقم كدليل على “الفوضى” التي تنخر الاقتصاد الوطني. غير أن هذه القراءة تبقى منقوصة ما لم تُجب على السؤال الأهم: لماذا اختار هؤلاء الناس، أو اضطروا، للعمل خارج المنظومة الرسمية من البداية؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي تفرق بين سياسة تُدمج وأخرى تُعاقب.

صمام أمان أم عبء؟

حين تسأل فاطمة أو يوسف لماذا لا يُسوّيان وضعيتهما القانونية، ستجد في إجابتهما إجهادا لا تهربا ولا تحايلا. إجهاد من منظومة تطلب منك وثائق لا تعرف من أين تحصل عليها، ورسوما لا تعرف كيف تحسبها، وإجراءات تستدعي وقتا لا تملكه حين يكون همّك الوحيد هو إطعام أسرتك في نهاية اليوم. الانخراط في الاقتصاد الرسمي في المغرب ليس قراراً بسيطا، بل هو رحلة بيروقراطية طويلة تبدأ بباب مصلحة وتنتهي بباب أخرى، وفي كل محطة تكتشف أن ما كان كافيا بالأمس لم يعد كذلك اليوم.

الدولة أدركت هذا الإشكال، فأطلقت تجربة “المقاول الذاتي” كجسر بين القطاعين. لكن وفق آخر الأرقام الرسمية المتاحة، الصادرة عن وزير الإدماج الاقتصادي أمام البرلمان، فقد النظام أزيد من 170 ألف منخرط في أقل من عام واحد، منتقلا من 440 ألفا نهاية 2024 إلى أقل من 270 ألفاً في شتنبر 2025، وهي أرقام قد تتغير مع استمرار النقاش البرلماني حول مستقبل هذا النظام. والسبب ليس غياب الإرادة عند المنخرطين، بل جملة من العراقيل كشفتها التقارير الرسمية ذاتها: بطء إداري، وضعف في التواصل، وصرامة في الاشتراكات، فضلاً عن ضريبة بنسبة 30% تنتظر كل من تجاوز سقف 80 ألف درهم مع نفس الزبون، عقوبة على النجاح لا مكافأة عليه.

وهنا يكمن الجرح الحقيقي، غياب الثقة. ليست ثقة الأرقام والإحصاءات، بل ثقة الإنسان في أن انتماءه للمنظومة الرسمية سيُغير شيئاً ملموسا في حياته اليومية. فاطمة تعرف جارتها التي تعمل في شركة مُهيكلة منذ عشر سنوات ولم تستفد من تأمينها الصحي مرة واحدة. ويوسف يعرف صاحبه الذي صرّح بنشاطه ودفع ضرائبه ثم أُغلق محله بسبب مخالفة إدارية لم يفهمها. هذه القصص تتناقلها الأحياء الشعبية وتصنع وعياً جماعياً مفاده أن النظام الرسمي لمن يملك الوقت والمعرفة والوساطة لا لأمثالنا.

النتيجة ليست عصياناً على القانون، بل منطق بقاء بسيط وعميق في آنٍ واحد. حين لا يرى المواطن أن الدولة موجودة حين يحتاجها في المستشفى، في المدرسة، في لحظات الهشاشة، لا يمكن أن نطلب منه أن يثق فيها حين تحتاجه هي. وهذه المعادلة المكسورة هي التي تجعل ملايين المغاربة يختارون، أو يُجبرون على اختيار البقاء في الظل.

ماذا يخسر المغرب؟

الحديث عن الاقتصاد غير المهيكل في المغرب يستحضر دائماً رقم الـ34 مليار درهم، وهو ما تُقدّره الدراسات كخسائر جبائية سنوية تضيع على خزينة الدولة. رقم ضخم بلا شك، لكنه يُختزل الموضوع في بُعد واحد فقط، ويغفل خسارة أعمق وأخطر من مجرد إيرادات ضريبية فائتة.

الخسارة الحقيقية للمغرب ليست فيما لا تجمعه الضرائب، بل فيما لا يُبنى. كل عامل يشتغل بلا عقد هو طاقة إنتاجية غير مُوجَّهة. وكل حرفي يعمل بلا تسجيل هو مهارة لا تتراكم ولا تتطور ولا تنتقل. وكل مقاول صغير يبقى في الظل هو مشروع لم يكبر، وفرص عمل لم تُخلق، وضرائب لم تُدفع، لا لأنه لا يريد، بل لأن النظام لم يُصمَّم ليستوعبه.

ثمة أيضاً خسارة في رأس المال البشري. العامل غير المُهيكل لا يتدرب ولا يرتقي في سلم المهارات، لأن لا أحد يستثمر في تطويره لا صاحب عمل يلتزم بتكوينه ولا دولة تضمن استمراريته. والنتيجة جيل من العمال يُتقنون ما تعلموه بالتجربة لكنهم عاجزون عن الانتقال إلى مستويات أعلى من الإنتاجية، في وقت يحتاج فيه المغرب بشدة إلى رفع قيمته المضافة استعداداً لمرحلة ما بعد 2030.

الإدماج: عقاب أم فرصة؟

كل النقاشات حول الاقتصاد غير المهيكل في المغرب تنتهي بنفس الخلاصة، يجب دمجه في المنظومة الرسمية. لكن السؤال الذي نادرا ما يُطرح هو: كيف؟ لأن الفرق بين إدماج ناجح وآخر فاشل لا يكمن في الإرادة السياسية وحدها، بل في الأدوات المُختارة لتحقيقه. وتجربة المقاول الذاتي أثبتت أن الحل الجيد على الورق قد يتحول إلى عبء إضافي على أرض الواقع حين لا يُصمَّم بمعرفة حقيقية بمن يستهدفه.

الإدماج الحقيقي لا يبدأ بالتهديد بالغرامات والمراقبة، بل يبدأ بجعل الانتماء للمنظومة الرسمية خيارا مُغريا لا عقوبة يهرب منها الجميع. وهذا يعني في الواقع العملي أشياء بسيطة لكنها غائبة: تسهيل التسجيل عبر منصات رقمية حقيقية تعمل دون أعطال، وضرائب تتناسب مع حجم النشاط الصغير لا مع طموحات الخزينة، وتأمين صحي مبسط يشعر صاحبه أنه يستفيد منه فعلاً، وقروض صغيرة بدون بيروقراطية تُمكّن من التطوير والنمو.

تجارب دول عديدة أثبتت أن هذا ممكن. البرازيل أطلقت نظام “MEI” للمقاولين الصغار فانخرط فيه ملايين خلال سنوات قليلة، لا لأن الدولة أجبرتهم، بل لأنها قدمت لهم مزايا حقيقية شعروا بها في حياتهم اليومية. والمغرب ليس بعيداً عن هذا النموذج إذا توفرت الإرادة الحقيقية للاستماع لمن يُفترض أن الإصلاح يستهدفهم.

لكن الإدماج يحتاج أيضاً إلى تغيير في الثقافة المؤسسية، أن تتوقف الدولة عن النظر إلى هذا القطاع كمشكلة يجب حلها، وتبدأ في التعامل معه كطاقة يجب تأطيرها. فاطمة ويوسف لا يحتاجان إلى من يُخبرهما بأن ما يفعلانه خاطئ، هما يعرفان ذلك جيداً. ما يحتاجانه هو دولة تُقنعهما بأن الخروج من الظل يستحق المجازفة.

فاطمة لن تنتظر قرارات البرلمان لتعرف إن كانت ستأكل غدا. ويوسف لن يوقف دراجته في انتظار إصلاح منظومة المقاول الذاتي. كلاهما يعيش في زمن مختلف عن زمن السياسات العمومية. زمن أسرع وأقسى وأكثر واقعية. وهذا بالضبط ما يجعل ملف الاقتصاد غير المهيكل ملفاً إنسانيا قبل أن يكون اقتصادياً

المغرب يستعد لاستضافة العالم في 2030، ويطمح إلى مكانة اقتصادية إقليمية متقدمة. لكن هذا الطموح سيبقى منقوصا ما لم يُجب عن سؤال بسيط وعميق في آنٍ واحد: كيف نبني اقتصادا حديثا وثلث قوته العاملة تشتغل في الظل، بلا حماية ولا اعتراف ولا مستقبل واضح؟

الجواب ليس في مزيد من المراسيم والتقارير، بل في قرار سياسي شجاع يعترف أولاً بأن هؤلاء الناس ليسوا خارج الاقتصاد الوطني، بل هم جزء أصيل منه. وأن إدماجهم الحقيقي لن يتحقق بتضييق الخناق عليهم، بل بفتح الأبواب أمامهم، أبواب يشعرون معها، ربما للمرة الأولى، بأن هذا البلد بُني لهم أيضاً.

زر الذهاب إلى الأعلى