
أحدث إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما خارج البلاد زلزالًا سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق في فنزويلا، واضعًا البلاد أمام مرحلة غامضة تفيض بالتساؤلات حول مستقبل الحكم، واستمرارية مؤسسات الدولة، وحدود الاستقرار في دولة تعاني أصلًا أزمة مركّبة.
الحديث عن ضربات عسكرية أميركية، وما تخللها من دوي انفجارات وتحليق مكثف للطائرات الحربية فوق سماء كراكاس، شكّل صدمة واسعة لدى الشارع الفنزويلي، لا سيما في ظل غياب موقف رسمي واضح يؤكد أو ينفي مصير مادورو، أو يحدد ما إذا كان بالفعل بات في قبضة واشنطن.
وفي قراءة أولية للمشهد، يرى الباحث والكاتب السياسي بول دوبسون أن الساعات الأولى التي أعقبت العملية اتسمت بقدر كبير من الالتباس، مشيرًا إلى تضارب الروايات حول الطريقة التي خرج بها مادورو من البلاد، وما إذا كان ذلك نتيجة تفاهمات مسبقة أم عملية خاطفة نُفذت بالقوة.
ويعتبر دوبسون أن تصريح نائبة الرئيس الفنزويلي، التي أكدت عدم معرفة الحكومة بمكان وجود مادورو، زاد من منسوب القلق داخل البلاد، ورسّخ حالة عدم اليقين، خاصة مع ترقّب إعلان أميركي رسمي قد يقدّم الرواية النهائية لواشنطن.

ارتباك داخلي وانقسام شعبي
هذا الغموض انعكس سريعًا على الداخل الفنزويلي، حيث شهد الشارع حالة انقسام بين رافض للتدخل الأميركي ومؤيد له، في وقت انشغل فيه كثير من المواطنين بمحاولات التواصل مع ذويهم للاطمئنان وسط أجواء أمنية مشحونة.
ورغم إعلان السلطات حالة التعبئة العامة، يلفت دوبسون إلى أن غياب أسماء بارزة أخرى عن مشهد الاعتقال، وعلى رأسها وزير الدفاع، يثير تساؤلات جوهرية حول نطاق العملية والأهداف الحقيقية لها. ويؤكد أن مواقع عدد من كبار المسؤولين لا تزال غير معروفة، ما يجعل من الصعب حتى الآن تحديد من استُهدف فعليًا ومن بقي خارج دائرة الاستهداف.
وعلى صعيد السلطة، يصف دوبسون الوضع بالدستوري المعقّد، إذ تتجه الحكومة إلى تفعيل آلية انتقال السلطة وفق التسلسل المنصوص عليه في الدستور، بما يعني تولي نائبة الرئيس الرئاسة مؤقتًا.
غير أن هذا المسار لا يحظى بإجماع داخلي، إذ يرى قطاع واسع من القوى القانونية والسياسية أن الشرعية الدستورية تعرّضت للتقويض منذ عام 2020، في ظل الجدل المستمر حول الانتخابات وغياب النتائج المعلنة، ما يفتح الباب أمام مطالب بإجراء انتخابات جديدة بدل الاكتفاء بانتقال شكلي للسلطة.
فرضية الدعم الداخلي
ولا يستبعد دوبسون أن تكون العملية قد نُفذت بدعم من أطراف داخلية، معتبرًا أن تحركًا بهذا الحجم والدقة يصعب إنجازه دون مساعدة من داخل مؤسسات الدولة، خاصة في ظل محدودية القصف وتركيزه على أهداف عسكرية دون استهداف القصر الرئاسي.
ويرى أن التزامن بين الضربات العسكرية واعتقال مادورو وزوجته يعزز فرضية وجود تنسيق أو تواطؤ من شخصيات نافذة داخل المنظومة الأمنية أو العسكرية.
ومع ذلك، يتحفظ دوبسون على توجيه اتهامات مباشرة للدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، مثل نائبة الرئيس أو وزير الدفاع، مرجحًا أن تكون الأدوار المحتملة قد لعبتها عناصر أخرى داخل الجيش أو أجهزة الدولة، مع التأكيد على أن الصورة لم تكتمل بعد.
سيناريوهات الحكم بعد مادورو
وبشأن المرحلة المقبلة، يربط دوبسون شكل الحكم المحتمل بطبيعة القوى التي ساهمت في تسليم مادورو، مشيرًا إلى أن تورط قيادات عسكرية قد يقود إلى مرحلة حكم عسكري مؤقت تمتد لأسابيع أو أشهر.
كما يشير إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي والضيق الاقتصادي والسياسي، حتى داخل صفوف الحزب الحاكم، ما يجعل مرحلة ما بعد مادورو مفتوحة على صراعات داخلية وتحولات في موازين القوى.
المعارضة في الواجهة
في هذا السياق، تبرز زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو كأحد أبرز الأسماء المرشحة للعب دور محوري في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع إصرار المعارضة على أنها الفائزة في الانتخابات الأخيرة. ويصف دوبسون حضورها بأنه عنصر أساسي في المشهد، وسط محاولات أميركية لإعادتها إلى واجهة الحياة السياسية.
غير أن عودتها المحتملة، بحسب دوبسون، قد تصطدم بمقاومة من بقايا النظام، فضلًا عن تساؤلات حاسمة حول قدرتها على كسب دعم المؤسسة العسكرية، التي تبقى اللاعب الأهم في أي انتقال سياسي.
ويؤكد أن الجيش الفنزويلي ليس كيانًا موحدًا؛ إذ توجد داخله تيارات غير راضية عن الوضع الحالي وقد تميل للتعاون مع المعارضة، مقابل قوى أخرى قد ترفض وصول شخصية يُنظر إليها على أنها مدعومة خارجيًا، ما ينذر بمسارات خطرة.
كما يلفت دوبسون إلى أن غياب أي رد عسكري فعّال على الطائرات الأميركية، رغم الحديث سابقًا عن امتلاك فنزويلا منظومات دفاع جوي متطورة، يعد مؤشرًا لافتًا يعزز فرضية وجود تسهيلات داخلية.
تداعيات إقليمية وترقّب داخلي
إقليميًا، يتوقع دوبسون أن يُحدث ما جرى صدمة سياسية في أميركا اللاتينية، مرجحًا أن تعارض غالبية دول القارة هذا التدخل، باستثناء عدد محدود من الحلفاء التقليديين لواشنطن.
لكنه يستبعد أن تتجاوز هذه المعارضة حدود التصريحات السياسية، مستندًا إلى سوابق أظهرت محدودية قدرة المؤسسات الإقليمية على مواجهة التحركات العسكرية الأميركية.
أما داخل فنزويلا، فيتوقع دوبسون انقسامًا شعبيًا واضحًا بين من يرى في غياب مادورو فرصة تاريخية للتغيير، ومن يخشى كلفة التدخل الخارجي ويفضّل الحفاظ على السيادة، مؤكدًا أن الأيام المقبلة ستكون مشحونة بالترقّب وعدم اليقين.







