مع حلول موسم الصيف وتجدد الإقبال على الوجهات السياحية المغربية، عاد الجدل من جديد حول ارتفاع أسعار الإقامة والخدمات السياحية، في وقت يرى فيه خبراء ومهنيون أن المشكلة تتجاوز العوامل الموسمية لتكشف عن اختلالات هيكلية مرتبطة أساساً بعدم التوازن بين العرض والطلب.
ويؤكد متخصصون في القطاع أن تزامن العطلة المدرسية مع عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وارتفاع وتيرة السياحة الدولية نحو المملكة يخلق ضغطاً كبيراً على البنية الإيوائية المتاحة، سواء تعلق الأمر بالفنادق أو الشقق المخصصة للكراء اليومي. هذا التزامن يرفع حجم الطلب إلى مستويات تفوق الطاقة الاستيعابية المتوفرة، ما يدفع العديد من الفاعلين إلى رفع الأسعار وفق منطق السوق القائم على العرض والطلب.
ويشير الخبراء إلى أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استقطاب السياح بفضل تحسين الربط الجوي والترويج الدولي للوجهة المغربية، غير أن نمو الطاقة الإيوائية لم يواكب بالوتيرة نفسها هذا الارتفاع المتسارع في أعداد الوافدين. ونتيجة لذلك أصبحت فترات الذروة الصيفية تشهد ضغطاً متزايداً على الأسرّة الفندقية وعلى مختلف خدمات الإقامة.
ولم يعد الغلاء مقتصراً على الفنادق فقط، بل امتد أيضاً إلى الشقق المفروشة المخصصة للكراء اليومي، التي كانت في السابق تشكل بديلاً أقل تكلفة بالنسبة للأسر المغربية. فمع تزايد الطلب عليها وغياب عرض كافٍ، عرفت بدورها زيادات ملحوظة في الأسعار، ما جعل عدداً من الأسر يجد صعوبة في إيجاد خيارات تتناسب مع قدرته الشرائية.
ويرى متابعون أن المقارنة مع بعض الوجهات المتوسطية المنافسة، مثل إسبانيا، تبرز حجم التحدي الذي يواجهه القطاع السياحي المغربي، إذ تستفيد تلك الدول من طاقة استيعابية أكبر وتنوع أوسع في خيارات الإقامة، ما يسمح بالحفاظ على مستويات أسعار أكثر تنافسية رغم الأعداد الكبيرة من الزوار.
ورغم إطلاق برامج ومبادرات استثمارية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية السياحية ورفع الطاقة الإيوائية، فإن نتائج هذه المشاريع تحتاج إلى وقت حتى تنعكس بشكل ملموس على السوق. كما أن بعض البرامج التي كانت تستهدف تطوير وجهات سياحية موجهة بالأساس للسياحة الداخلية لم تحقق جميع أهدافها المعلنة، الأمر الذي ساهم في استمرار الفجوة بين العرض والطلب.
من جهة أخرى، يرى مدافعون عن حقوق المستهلك أن جزءاً من الارتفاع المسجل في الأسعار لا يرتبط فقط بقلة العرض، بل قد يتأثر أيضاً بعوامل أخرى مثل المضاربة والسعي إلى تحقيق أرباح مرتفعة خلال فترات الذروة. ويشدد هؤلاء على أهمية تعزيز آليات المراقبة وضمان الشفافية في الأسعار لحماية المستهلكين من أي زيادات غير مبررة.
وفي هذا السياق، يبرز دور المستهلك نفسه في التأثير على السوق من خلال تبني سلوك استهلاكي واعٍ، يقوم على مقارنة الأسعار والبحث عن البدائل المناسبة وتجنب الوجهات أو الخدمات التي تشهد ارتفاعات مبالغاً فيها. فكلما اتسعت دائرة الاختيارات وتراجع الإقبال على العروض المبالغ في أسعارها، ازدادت الضغوط على مقدمي الخدمات لمراجعة أسعارهم بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.
ويبقى التحدي الأساسي أمام القطاع السياحي المغربي هو تحقيق التوازن بين مواصلة جذب أعداد متزايدة من السياح من جهة، وتوفير عرض كافٍ ومتنوع بأسعار معقولة من جهة أخرى، بما يضمن استفادة مختلف الفئات الاجتماعية من السياحة الداخلية ويعزز تنافسية الوجهة المغربية على المدى الطويل.





