سياسة

تزكيات الاتحاد الاشتراكي: إعادة تدوير النخب وغياب النساء يطرحان أسئلة حول خطاب الحداثة

إبراهيـــــــــم بلهـــــــــرادي

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، عادت اختيارات القيادة الحزبية داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لتثير نقاشاً واسعاً، خاصة في ظل معطيات تشير إلى تزكية نحو 19 نائباً برلمانياً حالياً لخوض الانتخابات مجدداً. وفي الوقت الذي تبرر فيه هذه الخطوة بكونها استثماراً في الخبرة والتجربة البرلمانية، فإنها تعكس في العمق ميلاً واضحاً نحو إعادة إنتاج نفس الوجوه السياسية.
وفي هذا السياق، يبرز عنصر آخر أكثر إثارة للنقاش، يتمثل في الغياب التام للنائبات البرلمانيات الحاليات عن هذه التزكيات، رغم أن عددهن خلال الولاية الجارية يصل إلى حوالي عشر نائبات. ومن ثم، يطفو على السطح تناقض واضح بين خطاب سياسي يدعو إلى المناصفة وتمكين النساء، وبين ممارسة حزبية لا تعكس هذا الالتزام على مستوى الترشيحات، وهو ما يضع مصداقية هذا الخطاب أمام اختبار حقيقي.
وإذا كان حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية قد تعزز خلال انتخابات 2021 بفضل آلية اللائحة الجهوية، فإن هذا المكسب، الذي جاء في إطار التمييز الإيجابي، كان يفترض أن يشكل خطوة انتقالية نحو إدماج فعلي للنساء في التنافس الانتخابي المباشر. غير أن ما يُسجَّل اليوم هو أن هذا المسار لم يتطور بالشكل المطلوب، إذ لم يتم الدفع بعدد من النائبات الحاليات لخوض الانتخابات داخل دوائر محلية، وهو ما يعني، عملياً، عدم تمكينهن من اختبار قدرتهن الانتخابية أو بناء قواعد دعم ميدانية، وبالتالي استمرار الاعتماد على آليات الحماية بدل الانتقال إلى منطق المنافسة.
وعلاوة على ذلك، فإن التمييز الإيجابي، رغم أهميته، يفقد جزءاً من مبرراته عندما لا يُواكَب بسياسات داخلية تفتح المجال أمام النساء لتحمل المسؤولية السياسية الكاملة، إذ إن الإبقاء على التمثيلية النسائية داخل لوائح مغلقة دون أفق للتطور قد يؤدي، بشكل غير مباشر، إلى إعادة إنتاج نفس الفوارق التي جاء لمعالجتها، بدل تجاوزها. وبناءً عليه، فإن عدم تزكية نائبات حاليّات لخوض غمار الانتخابات المقبلة في دوائر تنافسية يعزز الانطباع بوجود سقف غير معلن أمام تطور المسار السياسي للنساء داخل الحزب.
وفي موازاة ذلك، يلاحظ متتبعون غياب عدد من الأسماء التي كانت حاضرة خلال الولاية الحالية، دون تقديم توضيحات رسمية كافية بشأن هذا الاختيار، الأمر الذي يفتح المجال أمام قراءات متعددة، تتراوح بين إعادة ترتيب التوازنات الداخلية، وبين فرضية استمرار مركزية القرار داخل الحزب، بما يحد من فعالية الديمقراطية الداخلية التي يتم التأكيد عليها في الخطاب السياسي.
يبدو أن الاتحاد الاشتراكي يجد نفسه أمام مفترق طرق حقيقي، إذ لم يعد الرهان يقتصر فقط على تدبير الترشيحات، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرته على التوفيق بين خطابه الحداثي وممارساته الفعلية، خاصة في ما يتعلق بتجديد النخب وتمكين النساء. لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستشكل اختباراً حاسماً ليس فقط لخيارات الحزب التنظيمية، ولكن أيضاً لصورته لدى الرأي العام، في ظل سياق تتزايد فيه المطالب بالمساواة وتكافؤ الفرص، حيث لم يعد كافياً رفع الشعارات، بل بات من الضروري ترجمتها إلى قرارات ملموسة تعكس التزاماً حقيقياً بمضامينها.

زر الذهاب إلى الأعلى