مؤشرات تضع لقجع على رأس حكومة 2030

حين طرح الصحفي يونس مسكين في افتتاحيته اليومية سؤال: “لقجع… همة المرحلة؟”، لم يكن السؤال مجرد اجتهاد صحفي عابر أو محاولة لاستباق الأحداث السياسية القادمة، بقدر ما كان قراءة أولية لتحولات بدأت ملامحها تظهر داخل المشهد السياسي المغربي، حيث يبدو أن البلاد تقترب من لحظة إعادة ترتيب الأوراق استعداداً لمرحلة تختلف عن كل المراحل السابقة.
منذ سنوات، يعيش المغرب حالة بحث متواصل عن النموذج الأمثل لرئاسة الحكومة. فمنذ تجربة التناوب مع عبد الرحمان اليوسفي، مروراً بإدريس جطو، ثم عباس الفاسي، وعبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، وصولاً إلى عزيز أخنوش، جُربت وصفات سياسية متعددة وألوان حزبية مختلفة، لكن النتيجة ظلت دائماً محل نقاش واسع داخل المجتمع.
لقد جُربت الشخصية الحزبية التقليدية، وجُرب التكنوقراطي، وجُرب الزعيم الشعبوي القادر على تحريك الشارع، وجُرب رجل الأعمال القادم من عالم الاستثمار، لكن الإحساس العام لدى جزء واسع من المغاربة ظل قائماً بأن الأداء الحكومي لم ينجح في تحقيق القفزة المنتظرة بين حجم الأوراش المفتوحة وطموحات المواطنين.
اليوم، لا يبدو أن المغرب يستعد لانتخابات عادية. نحن أمام أفق سنة 2030، وهي سنة لا تختزل فقط في تنظيم كأس العالم، بل تمثل موعداً استراتيجياً للدولة المغربية. فالمملكة ستكون مطالبة بإنجاز مشاريع ضخمة في البنيات التحتية والنقل والاستثمار والرقمنة والتشغيل والخدمات الاجتماعية، وهي أوراش تحتاج إلى منطق التدبير أكثر مما تحتاج إلى منطق الخطابة السياسية.
وهنا بالضبط يبدأ اسم فوزي لقجع في الظهور.
فالرجل لم يبن حضوره من داخل حزب سياسي أو عبر المهرجانات الخطابية، بل عبر تدبير ملفات حساسة ومعقدة. فمن وزارة المالية إلى المشاريع الاستراتيجية للدولة، ومن إصلاحات الميزانية إلى ملف كأس العالم 2030، استطاع أن يراكم صورة المسؤول الذي يحقق النتائج أكثر مما يصنع الضجيج.
ولعل ما يعزز هذا الطرح هو أن الأسماء التي كانت تبدو الأقرب إلى رئاسة الحكومة قبل أشهر بدأت تتراجع بشكل ملحوظ.
فاطمة الزهراء المنصوري، التي اعتبرها كثيرون الورقة الرابحة للأصالة والمعاصرة، تعرضت خلال الأشهر الأخيرة لهزات سياسية وإعلامية أضعفت صورتها لدى جزء من الرأي العام. كما أن وجودها داخل الحكومة الحالية جعلها شريكة في حصيلتها، إيجاباً وسلباً، في وقت أصبح فيه المزاج العام أكثر ميلاً إلى البحث عن وجوه جديدة غير مرتبطة مباشرة بالاختيارات الحكومية السابقة.
أما نزار بركة، الذي كان يراهن على تجربة سياسية طويلة وقيادة حزب عريق، فقد بدا عاجزاً عن التحول إلى مرشح وطني جامع قادر على استقطاب فئات واسعة خارج القاعدة التقليدية لحزبه. وحتى خرجاته الأخيرة لم تمنحه الزخم السياسي المطلوب لرجل يُفترض أن يقود حكومة مرحلة استثنائية.
أما داخل التجمع الوطني للأحرار، فرغم وجود أسماء عديدة، فإن أياً منها لم ينجح في فرض نفسه كوريث سياسي محتمل لعزيز أخنوش. بل إن الحزب نفسه يبدو منشغلاً بتدبير تراجع شعبيته أكثر من انشغاله بإعداد مرشح قوي لرئاسة الحكومة المقبلة.
كل ذلك أعاد إنتاج سؤال قديم داخل الدولة المغربية: من يمتلك اليوم القدرة على قيادة مرحلة 2030؟
السؤال نفسه طُرح بطريقة مختلفة سنة 2007. حينها كانت نسبة المشاركة السياسية تتراجع، وكانت الأحزاب التقليدية تعاني أزمة ثقة، فظهر فؤاد عالي الهمة بمشروع سياسي جديد انتهى بولادة حزب الأصالة والمعاصرة. وفي أفق 2011 كان الحزب يستعد لقيادة الحكومة، غير أن زلزال الربيع العربي قلب كل المعادلات وأفرز عبد الإله بنكيران باعتباره عنوان مرحلة جديدة.
اليوم لا يوجد ربيع عربي، ولا حراك بحجم 20 فبراير، لكن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية: تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية كبرى، بالإضافة إلى استحقاق كأس العالم الذي تحول إلى مشروع دولة كامل وليس مجرد منافسة رياضية.
في هذا السياق، تبدو الدولة في حاجة إلى شخصية تجمع بين المعرفة الدقيقة بمؤسساتها، والقدرة على تنفيذ المشاريع، والقبول داخل دوائر القرار، والقدرة على مخاطبة الشركاء الدوليين. وهي مواصفات يعتقد كثيرون أن فوزي لقجع يمتلك جزءاً كبيراً منها.
الأخبار التي راجت أخيراً حول إمكانية استقطابه سياسياً، والنفي الذي لم يضع حداً نهائياً للتأويلات، زادت من قناعة المتابعين بأن الرجل أصبح جزءاً من النقاش الحقيقي حول مرحلة ما بعد 2026.
قبل سنتين تقريباً، قال لي أستاذ جامعي متخصص في العلوم السياسية إن الدولة المغربية تبحث منذ الآن عن اليوم الذي لن يكون فيه فوزي لقجع في المواقع التي يشغلها حالياً، ليس بسبب الرغبة في إبعاده، بل لأن الرجل أصبح يحتل مواقع استراتيجية متعددة في آن واحد. يومها بدا الكلام أقرب إلى التحليل النظري، أما اليوم فيبدو أقرب إلى قراءة استباقية لما قد يحدث مستقبلاً.
قد يكون من المبكر الجزم بأن فوزي لقجع سيكون رئيس الحكومة المقبلة، فصناديق الاقتراع ما تزال بعيدة، والسياسة المغربية لا تخلو من المفاجآت. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الرجل لم يعد مجرد وزير منتدب أو رئيس جامعة لكرة القدم، بل تحول إلى اسم حاضر بقوة في معادلة السلطة والانتخابات والمرحلة.
ولهذا، ربما لم يعد السؤال هو: هل يصبح لقجع رئيساً للحكومة؟
بل: هل بدأت الدولة فعلاً في تهيئة رجل مونديال 2030 لقيادة حكومة 2030؟







