سياسةكتاب وآراء

آسفي بعد زيارة بنكيران

في مشهد سياسي يعكس من جديد حيوية التنافس الحزبي واختلالاته في الآن ذاته، حطّ الزعيم عبد الإله بنكيران الرحال بمدينة آسفي خلال نهاية الأسبوع الأخير، في زيارة لم تكن عابرة في دلالاتها ولا في توقيتها. فقد نجح حزب حزب العدالة والتنمية في تنظيم مهرجان خطابي استقطب مئات المناضلين والمتعاطفين، مباشرة بعد تزكية الدكتور رضا بوكمازي، الذي يحظى بقاعدة شعبية معتبرة على صعيد الإقليم.

ورغم اختلاف مواقفي السياسية مع بنكيران وحزبه، فإن ما جرى لا يمكن قراءته إلا باعتباره مؤشراً على قدرة هذا التنظيم على إعادة تعبئة قواعده، ولو مرحلياً، عبر خطاب مباشر يستثمر في القرب من المواطن وفي استحضار رمزية “المظلومية” الاجتماعية. وقد تعزز هذا الانطباع بعد زيارة بنكيران لمنزل المناضل نبيل ضريف، المرتبطة بأحداث ما بات يعرف بـالخميس الأسود بسبت جزولة، حيث حملت تلك الزيارة رسائل سياسية قوية، خاصة مع ظهور سيدة قالت إنها أُقصيت من الدعم الاجتماعي، في مشهد سرعان ما انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل.

غير أن الأثر الأبرز لهذه الزيارة لم يكن فقط في صداها الشعبي، بل في ردود الفعل التي أثارتها داخل صفوف الخصوم السياسيين، وعلى رأسهم حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقوده حالياً محمد شوكي. إذ تفيد المعطيات أن القيادة المركزية للحزب سارعت إلى مساءلة هياكلها المحلية حول قدرة بنكيران على حشد هذا العدد من المتعاطفين، مطالبة بتنظيم لقاء مضاد يُظهر تفوق الحزب في الإقليم.

وفي سباق محموم مع الزمن، شرع عدد من مناضلي الحزب في محاولة استقطاب أكبر عدد ممكن من الشباب، خاصة أولئك الذين غادروا التنظيم في فترات سابقة، إلى جانب كل من يمكنه الحضور، في مسعى واضح لتضخيم الحضور العددي. هذا الحراك لا يخلو من خلفيات داخلية، حيث يبرز التنافس بين أسماء محلية، من بينها التنسيقية الإقليمية والمحلية بقيادة صابر والجهوية بقيادة القباج، الذي يسعى إلى إقناع القيادة، وعلى رأسها شوكي، بقدرته على التعبئة والاستقطاب، في أفق نيل ثقة الحزب خلال الاستحقاقات المقبلة.

لكن الإشكال لا يكمن في مبدأ التنافس السياسي، بل في الوسائل المعتمدة. فبدل تقديم بدائل سياسية حقيقية، يبدو أن بعض القيادات الجهوية لا تزال تراهن على أساليب تقليدية تقوم على استقطاب الحشود بأي ثمن، حتى وإن تعلق الأمر باستغلال الهشاشة الاجتماعية لسكان القرى والمناطق المهمشة. الحديث عن نقل اللقاء إلى جماعات قروية مثل جماعة البخاتي ليس بريئاً، بل يعكس تصوراً اختزالياً للعمل السياسي، يُقاس فيه النجاح بعدد الحاضرين في الصور لا بمدى الإقناع والبرامج.

الأخطر من ذلك، هو الاعتقاد السائد لدى بعض الفاعلين بأن المواطن لا يزال قابلاً للتعبئة مقابل منافع ظرفية، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن الوعي السياسي لم يتطور. والحال أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد في “ملء القاعات”، بل في استعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل الحزبي.

إن ما جرى في آسفي يطرح سؤالاً جوهرياً: إلى متى سيستمر توظيف الفئات الضعيفة كأدوات في صراع انتخابي لا يخدم في النهاية سوى طموحات ضيقة؟ ثم ماذا لو لم يقم بنكيران بهذه الزيارة؟ هل كان حزب التجمع الوطني للأحرار سيتحرك بنفس الوتيرة، أم أن ردود الفعل أصبحت هي المحرك الأساسي للفعل السياسي بدل المبادرة؟

في النهاية، لا يمكن لأي ممارسة سياسية أن تكتسب مشروعيتها من الحشود المصطنعة، بل من قدرتها على تقديم إجابات حقيقية لانتظارات المواطنين. وما عدا ذلك، يبقى مجرد ضجيج انتخابي سرعان ما يخفت بمجرد انقضاء المواعيد.

زر الذهاب إلى الأعلى