هل خسر التقدم والاشتراكية بآىسفي صورته قبل انطلاق الحملة الانتخابية؟

إبراهيم بلهرادي
لم يكن المهرجان الخطابي الذي نظمه حزب التقدم والاشتراكية بمدينة آسفي، بحضور أمينه العام نبيل بن عبد الله، مجرد محطة تنظيمية عادية استعداداً للاستحقاقات المقبلة، بل تحول إلى حدث سياسي أثار كثيراً من الجدل، ليس بسبب ما قيل فوق المنصة، وإنما بسبب ما كشفته الكواليس وما تلا اللقاء من موجة انتقادات وسخرية اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد اختار نبيل بن عبد الله أن يوجه سهام النقد إلى أحزاب الأغلبية، متهماً إياها باستمالة الناخبين بالمال والقفف وخرفان العيد، في خطاب حاول من خلاله إعادة تقديم حزبه باعتباره القوة السياسية التي لا تزال متمسكة بالأخلاق والمبادئ، والمنتمية إلى مدرسة اليسار التي طالما رفعت شعارات الوعي والنضال والتأطير.
غير أن المفارقة سرعان ما فرضت نفسها بقوة.
ففي الوقت الذي كان فيه الأمين العام يتحدث عن وعي الناخب ورفض توظيف المال، كانت مقاطع فيديو يتم تداولها على نطاق واسع تظهر أشخاصاً قالوا إنهم نُقلوا إلى المهرجان بواسطة الحافلات، دون أن يعلم بعضهم حتى سبب حضورهم أو طبيعة النشاط الذي يشاركون فيه، بل إن بعض التصريحات ذهبت إلى حد الإقرار بعدم معرفة اسم الحزب أو أمينه العام.
ولا يمكن الجزم بصحة جميع هذه التصريحات أو تعميمها على كل الحاضرين، لكن مجرد انتشارها بهذا الشكل، وعجز الحزب عن احتواء أثرها إعلامياً، كان كافياً لتحويل الرسالة السياسية إلى مادة للسخرية، ولإرباك الصورة التي حاول الحزب رسمها لنفسه.
والأكثر إثارة أن هذا اللقاء شهد أيضاً الإعلان الرسمي عن تزكية عبد الرزاق اعبيد مرشحاً للانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي لحظة كان يفترض أن تمنح الحزب زخماً سياسياً جديداً في إقليم آسفي، لكنها جاءت في ظرف طغت فيه الانتقادات على مضمون اللقاء، فتحولت التزكية إلى خبر ثانوي أمام الجدل الذي رافق طريقة تنظيم المهرجان.
إن الأزمة هنا لا تتعلق بعدد الحاضرين، ولا بمن تم نقله عبر الحافلات، فهذه ممارسات كثيراً ما تُتهم بها أحزاب مختلفة خلال التجمعات السياسية. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في التناقض بين الخطاب والممارسة. فمن يضع نفسه في موقع الواعظ الأخلاقي، ويهاجم خصومه باسم المبادئ، يصبح مطالباً بأن يقدم نموذجاً مختلفاً، لأن مصداقية الخطاب لا تُقاس بما يقال فوق المنصات، وإنما بما تؤكده الوقائع على الأرض.
واليسار، أكثر من غيره، يعيش على رصيد رمزي وأخلاقي قبل أن يعيش على رصيد انتخابي. فإذا فقد هذا الرصيد، فما الذي يميزه عن بقية الفاعلين السياسيين؟
في آسفي، يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية يواجه اليوم أزمة أعمق من مجرد تنظيم مهرجان لم يحقق أهدافه. إنها أزمة ثقة وصورة، خاصة في مدينة كانت تاريخياً من أهم قلاع اليسار المغربي، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.
وإذا استمرت هذه الصورة في ترسيخ نفسها داخل الرأي العام المحلي، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام استحقاقات انتخابية أكثر صعوبة مما يتوقع. فالناخب اليوم لا يكتفي بسماع الشعارات، بل يقارن بين الأقوال والأفعال، ويحاسب من يرفع سقف الأخلاق السياسية أكثر مما يحاسب غيره.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حزب ليس أن يتعرض للنقد، بل أن يصبح مادة للسخرية. فالنقد يفتح باب المراجعة، أما السخرية فتعلن بداية فقدان الهيبة السياسية، وهي مرحلة يصعب تجاوزها دون مراجعات حقيقية تعيد الانسجام بين الخطاب والممارسة.







