مجتمع

خبراء مغاربة يدعون لتغيير الثقافة المؤسساتية لتعزيز ثقة المواطنين في الإدارة

شدد جامعيون مغاربة على أهمية تغيير الثقافة المؤسساتية في الإدارة، معتبرين أن هذا التحول أساسي لتعزيز ثقة المواطنين. أكد هؤلاء الخبراء أن الإدارة اليوم لم تعد مجرد جهاز تنفيذي، بل أصبحت فاعلًا مركزيًا في صناعة القرار العمومي وإدارة التوازنات داخل الدولة والمجتمع والسوق. الإصلاح الإداري، بحسبهم، لا يقاس فقط بالكفاءة التقنية، بل بمدى قدرة المؤسسات على إحداث تأثير اجتماعي واقتصادي ملموس.

في لقاء تكويني بعنوان “نحو فهم جديد للإدارة في زمن التحولات”، الذي استضافته كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط يوم الخميس، أكد عميد الكلية، حسن ازويري، أن التطورات العالمية الراهنة تتجاوز مجرد التعديلات التنظيمية. هذه التحولات تمس الأسس المعرفية والنظرية التي تشكل فهمنا الحالي للإدارة وأدوارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ووضح ازويري، في كلمة ألقاها نائبه رضوان اعميمي، أن الإدارة باتت من منظور علم السياسة شريكًا رئيسيًا في صنع القرار وإدارة التوازنات ضمن أنظمة الحكامة المعاصرة. هذه الأنظمة تتضمن مستويات متعددة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.

من زاوية علم الإدارة والتدبير العمومي، بين ازويري أن الأدبيات الحديثة تؤكد أن الإصلاح الإداري يقاس اليوم بقدرة المؤسسات على إنتاج القيمة العمومية. هذه القيمة تتمثل في الأثر الاجتماعي والمؤسساتي الذي تحققه السياسات والخدمات العمومية. هذا الأثر هو ما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويقوي الروابط بينهم وبين الدولة، ويدعم قيم الإنصاف والعدالة الاجتماعية والمجالية. أكد ازويري أن التفكير في الإدارة لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل رهان معرفي ومؤسساتي ومجتمعي. هذا الرهان نتقاسمه مع الجامعة الشعبية، لأن مستقبل التنمية وجودة الخدمات ومستوى الثقة يعتمد على قدرة الإدارة على التحول من مجرد الالتزام بالقواعد إلى إنتاج القيمة العمومية. وهذا يتطلب الانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة المعرفة والذكاء الجماعي.

من جانبها، أشارت نادية الرحماني، عضو المجلس العلمي للجامعة الشعبية المغربية، إلى أن هذا اللقاء ليس عاديًا. إنه لحظة للتفكير المشترك في الإدارة العمومية في ظل التحولات المتسارعة. وأكدت أن اختيار موضوع “نحو فهم جديد للإدارة في زمن التحولات” يعكس وعيًا عميقًا. الإدارة لم تعد جهازًا تقنيًا فقط لتدبير الشأن العام، بل هي فضاء لإعادة بناء الثقة. كما أنها أفق لترسيخ قيم الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وصون الحقوق والحريات. شددت الرحماني على أن الندوة تعكس توجهات الجامعة الأكاديمية. إنها تسعى لاستشراف معالم إدارة مغربية حديثة، قادرة على كسب رهانات التنمية والعدالة الاجتماعية. أكدت أن الرهان اليوم هو رهان وعي ومسؤولية. يتعلق الأمر بوعي بأن الإصلاح الإداري لا يكتمل بالنصوص والقوانين وحدها. بل يتطلب تغيير الثقافة المؤسساتية وتعزيز أخلاقيات الخدمة العمومية. كما يستلزم إشراك المواطن كشريك حقيقي في البناء، وليس مجرد مستفيد من الخدمات.

خلصت الرحماني إلى أن بناء مغرب الغد يمر حتمًا عبر تحديث البنيات الإدارية. لا يقتصر التحديث على الرقمنة والوسائل التقنية فحسب. بل يعتمد أساسًا على تغيير الثقافة الإدارية وتكريس مفهوم الإدارة المواطنة التي تضع المواطن في قلب اهتماماتها. وقد شهدت جهود تحديث الإدارة العمومية في المغرب تقدمًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، لكن الطريق لا يزال طويلًا نحو تحقيق الأهداف المرجوة. وأضاف رئيس الجامعة الشعبية المغربية، المصطفى المريزق، أن الدورة الثانية من البرنامج التكويني ستناقش “الإدارة بين الشرعية الدستورية وفعالية الأداء العمومي”. أكد المريزق على أهمية الولوج إلى المعرفة كحق إنساني، مشددًا على أن المعرفة يجب أن توزع عبر فضاءات تعلم حرة ومجانية. وتلعب مؤسسة وسيط المملكة دورًا هامًا في تعزيز الحكامة الجيدة وحماية حقوق المواطنين في تعاملهم مع الإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى