دوليسياسة

العثماني: التوجه الإفريقي للمغرب خيار استراتيجي راسخ ومصالح متشابكة

أكد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن التوجه الإفريقي للمغرب ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو استراتيجية حقيقية متجذرة. تعكس هذه الاستراتيجية عمقاً تاريخياً ومصالح متشابكة تربط المملكة بدول القارة. كما شدد العثماني على أن هذه المقاربة تقوم على رؤية بعيدة المدى تتجاوز القرارات الظرفية، وتمليها اعتبارات تاريخية وجغرافية واقتصادية ملحة.

وخلال ندوة عقدت بالجامعة الدولية في الرباط، أوضح العثماني أن التعامل مع العلاقات المغربية الإفريقية يتطلب التمييز بين عدة مستويات. تتراوح هذه المستويات من القرارات التكتيكية إلى السياسات العمومية، وصولاً إلى استراتيجيات شاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيات على أهداف طويلة الأمد وتكامل كافة البرامج الوطنية.

ما يمنح السياسة الإفريقية للمغرب بعدها الاستراتيجي الحقيقي هو اندماجها في مختلف القطاعات الحيوية. يشمل ذلك مجالات مثل الطاقات المتجددة، ضمن رؤية متكاملة تجعل من القارة محوراً أساسياً في التوجهات الوطنية. يستند هذا الخيار إلى مرجعيات دستورية واضحة، أبرزها دستور 2011. ينص الدستور على تعزيز علاقات التعاون والتضامن مع الدول الإفريقية، خاصة في منطقتي الساحل وجنوب الصحراء.

وتعتبر التوجيهات الملكية الإطار المرجعي للسياسة الخارجية للمغرب. لقد أكدت الخطابات الملكية مراراً على مركزية البعد الإفريقي وارتباط مصالح المملكة بمحيطها القاري. وفي هذا السياق، تبقى قضية الصحراء المغربية محدداً أساسياً في صياغة العلاقات الدولية للمملكة.

واستحضر العثماني البعد التاريخي للعلاقات بين المغرب وإفريقيا. هذه الروابط تمتد لقرون عبر التبادل التجاري والعلمي والديني. أشار إلى الدور المحوري لجامعة القرويين في استقطاب الطلبة والعلماء الأفارقة. كما أسهمت الطرق الصوفية بشكل كبير في ترسيخ هذه العلاقات العميقة.

توقف العثماني عند دعم المغرب لحركات التحرر الإفريقية ومساهمته الفاعلة في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية. واستحضر شهادات تاريخية، منها ما ورد في مذكرات نيلسون مانديلا، والتي تؤكد دور الرباط كمركز لنضالات التحرر.

تتجلى أهمية إفريقيا بالنسبة للمغرب في مستويات عدة. من أبرزها دور القارة في ملف الصحراء، وتنويع الشركاء الاقتصاديين. كما تعزز إفريقيا موقع المملكة كبوابة نحو القارة للقوى الدولية المختلفة. اعتبر العثماني عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية. هذا العودة توجت مساراً دبلوماسياً طويلاً وجهوداً متواصلة.

كشف المتحدث عن مؤشرات قوية تعكس عمق التوجه الإفريقي للمغرب. تشمل هذه المؤشرات إبرام نحو 1500 اتفاقية مع دول إفريقية. كما أن 80 في المائة من دول القارة ترتبط بشراكات متعددة مع المغرب. بالإضافة إلى ذلك، يتجه 67 في المائة من الاستثمارات الخارجية المغربية نحو إفريقيا. وتحضر نحو ألف مقاولة مغربية في القارة باستثمارات تقارب 12 مليار دولار.

وفي الختام، أكد العثماني أن التموقع الدولي للمغرب يعتمد بشكل كبير على تعزيز حضوره داخل القارة الإفريقية. يتم ذلك في إطار شراكات متوازنة تقوم على مبدأ “رابح-رابح” لجميع الأطراف. أشار إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية سيُقاس بمدى تقدم مشاريع كبرى. من هذه المشاريع أنبوب الغاز الذي يربط المغرب بنيجيريا والمبادرات الأطلسية الطموحة. كما ستؤثر التطورات المرتبطة بقضية الصحراء على هذا النجاح.

زر الذهاب إلى الأعلى