زيارة بنكيران لسبت جزولة : حين تصبح الوفاء بالعهود “ضربة معلم” سياسية

إبراهيم بلهرادي
في المشهد السياسي المغربي، نادراً ما نجد زعيماً حزبياً يقطع مئات الكيلومترات لزيارة ناشط محلي. لكن عبد الإله بنكيران فعلها، متوجهاً إلى بيت بيت نبيل ضريف، الذي اعتقل على خلفية أحداث “الخميس الأسود” بسبت جزولة إبان انتخابات 8 سبتمبر 2021. هذه الزيارة لم تكن لتمر دون أن تُقرأ في سياقها العميق: إعادة إحياء عقيدة التضامن العضوي للحزب.
تعد هذه الزيارة الترجمة الميدانية لشعار “لن نسلمكم أخانا” الذي رُفع سابقاً في قضية حامي الدين. من خلال الجلوس في بيت ضريف وسط أهله ، أراد بنكيران إرسال رسالة مفادها أن الحزب لا يتخلى عن “جنوده” في القواعد، مهما كان الثمن السياسي. هذا الربط بين قمة الهرم وقاعدة الحزب يعزز الشعور بالأمان والانتماء داخل التنظيم، ويؤكد أن الدفاع عن المناضلين هو “مبدأ” وليس “مناورة”.
يمكن وصف هذه الخطوة بـ “ضربة معلم” لعدة اعتبارات:
فقد أعطت الزيارة على الصعيد المحلي دفعة قوية لقواعد الحزب في إقليم آسفي، الذي عانى من تراجع انتخابي كبير. حضور بنكيران شخصياً أعاد الاعتبار للمناضل “البسيط” وجعل المواطن المحلي يشعر أن قيادة الحزب قريبة من هموم أبنائها، مما يرمم صورة الحزب التي تضررت بعد نتائج 2021.
أما على الصعيد الوطني فجاءت في وقت تُتهم فيه الأحزاب بالانتهازية والبحث عن المصالح الفردية، قدم بنكيران نموذجاً لـ “الزعيم الحامي” لقواعده. هذه الصورة تساهم في استعادة “الهوية النضالية” للحزب، وتجعله يبدو كجسد واحد لا يتجزأ، مما يرفع منسوب الثقة لدى المتعاطفين الذين يبحثون عن الوضوح والمواقف المبدئية.
الزيارة لم تكن مجرد صلح أو تضامن، بل كانت إعادة شحن معنوي. ففي “سبت كزولة”، ومن قلب المعاناة التي تلت أحداث الانتخابات، نجح بنكيران في تحويل “المحنة” (الاعتقال) إلى “منحة” سياسية (الالتفاف حول الحزب). لقد أثبت أن العدالة والتنمية يمتلك “رأسمالاً أخلاقياً” يتمثل في الوفاء، وهو عملة نادرة في سوق السياسة اليوم.
بالنسبة للمراقبين، الزيارة هي إعلان صريح بأن الحزب لا ينكسر تحت ضغط الملاحقات القضائية أو الهزائم الانتخابية. هي رسالة بأن “الماكينة” التنظيمية للحزب ما زالت تعمل، وأن قوة الحزب تكمن في تلاحمه الداخلي وقدرته على الوقوف بجانب أعضائه في أحلك الظروف.
لقد كانت زيارة بنكيران لنبيل ضريف بمثابة إعادة ضبط لبوصلة الحزب، وتأكيداً على أن منطق “الأخوة” داخل التنظيم يتقدم على الحسابات السياسية الباردة. هي خطوة ذكية أعادت لآسفي مكانتها كقلعة نضالية، ومنحت الحزب على المستوى الوطني صكاً جديداً من “المصداقية الأخلاقية” التي قد تكون مفتاح عودته في المستقبل.







