دوليسياسةمجتمع

النكبة المستمرة: من خطة دالت إلى التهجير الجماعي، كيف تتكرر الهندسة الديموغرافية؟

كوثر قلقازي–تراند نيوز

تجلس زينب (10 سنوات) القرفصاء أمام خيمة بالية بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، شاردة الذهن، تصفن في مفتاح قديم صدئ كبير الحجم نوعا ما تحمله يداها، وكان النزوح الأخير لها ولما تبقى من عائلتها، أرهق جسدها الصغير، لم يكن الأول، وعلى الأغلب ليس الأخير.

مريم فقدت والدها وإخوانها الكبار في قصف إسرائيلي على مبنى سكنها مطلع سنة 2024. وهي الآن مع شقيقتها الأصغر منها وشقيقها الرضيع ووالدتها وجدتها المسنة.

كان المفتاح الذي تحمله بين كفيها يعود لجدتها، لا طالما سمعت عنه قصصا كثيرة، وعن باب منزل عائلتها الكبير الذي يفتحه في يافا، قبل أن يدفعهم الاحتلال الإسرائيلي للنزوح غصبا، سنة 1948، فيما يعرف بالنكبة الفلسطينية.

المشهد بات مألوفا، فما أشبه اليوم بالأمس، والنزوح غصبا صار روتينا فلسطينيا، والنكبة أضحت عرفا لا بد للفلسطيني منه بين فترة وأخرى.

فنفس المشهد، الذي يتكرر بآلاف النسخ في غزة اليوم، ليس مجرد تشبيه بلاغي. إنه دليل حي على أن “النكبة” ليست حلقة في كتاب التاريخ، بل عملية مستمرة من الهندسة الديموغرافية الممنهجة. فما يجري في غزة منذ 2023 وحتى اللحظة ليس رد فعل على طارئ، بل هو التكرار الأكثر وحشية لبرنامج “التطهير العرقي” الذي صُمم قبل قيام إسرائيل بعقود، تحت اسم “خطة دالت”.

خطة دالت 1948

في ماي 1948، وقبل شهر من إعلان قيام دولة إسرائيل، وضعت قيادة عصابة “الهاغاناه” خطة عسكرية محكمة تحت اسم “خطة دالت” (Plan Dalet)، خطة “دفاعية” لمواجهة خطر الجيوش العربية، حسب الرواية الإسرائيلية. لكن الوثائق التي رفعت عنها السرية، وتحليل المؤرخين، كشف زيف الرواية مقابل حقيقة مختلفة تماما.
خطة دالت لم تكن دفاعية كما كان متداولا، بل أقرب إلى هجوم استباقي، نص على “تطهير المناطق الاستراتيجية” من سكان الأرض “الفلسطينيين”، وتدمير القوى التي قد تستخدم قواعدا للمقاومة، وقطع خطوط الإمداد عن المدن العربية. كل هذا من أجل ضمان “دولة اليهود” القادمة عبر تفوق ديموغرافي وسيطرة على الأرض.

المؤرخ الإسرائيلي بني موريس، الذي يعتبر من أكثر الباحثين نقدا للرواية الرسمية، كتب بصريح العبارة: “لم تكن هناك حرب بدون تطهير عرقي. الدولة اليهودية لم تكن لتوجد بدون اقتلاع 700,000 فلسطيني”. وفي مقابلة أخرى، قال إن “ظروفاً معينة في التاريخ تبرر التطهير العرقي”. هذه الاقتباسات الصادمة من مؤرخ إسرائيلي تدحض بشكل قاطع سردية “النزوح الطوعي” أو “الرحيل بدافع الخوف من الجيوش العربية”.

وبعد أبريل 1948، تم تدمير المئات من القرى الفلسطينية. وطرد أو فرار مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت القصف. وأنشئت وكالة “الأونروا” (غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) كحل مؤقت، لكنها تحولت إلى شاهد دائم على كارثة لم تُحل.

النكبة لم تكن كارثة طبيعية أو نتيجة حتمية للحرب. بل برنامجا هندسيا نفذ بدقة عسكرية، وتوقف فقط عندما اكتمل الهدف الديموغرافي الأساسي، يهود أغلبية في دولة يهودية.

تطبيقات متجددة: من حرب 1967 إلى حصار غزة

على الرغم من أن النكبة انتهت عام 1948 بتوقيع اتفاقيات الهدنة، إلا أن الكيان أعاد إنتاج النموذج نفسه تحت مسميات مختلفة في كل مرة.

فنكسة عام 1967 كانت نكبة أخرى انتهت بهزيمة عربية مدوية، دفع ثمنها الفلسطينيين، بعد تهجير مئات الآلاف من الضفة الغربية وغزة، والاستلاء على مناطق أخرى من فلسطين وضمها إلى إسرائيل المزعومة، وتدمير مخيمات كاملة في وادي الأردن والخليل.

ثم أتت سياسة هدم المنازل والتهجير الإداري في الفترة بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي دون حرب معلنة. مارست إسرائيل من خلالها “نكبة صغيرة” يومياً في الضفة الغربية. هدمت آلاف المنازل بحجة “العقاب الجماعي”، وترحيل قيادات سياسية، و”التهجير الإداري” (ترحيل أفراد دون محاكمة). لخلق واقع ديموغرافي جديد.

واعتبر العالم خطة فك الارتباط عن غزة سنة 2005 خطوة للسلام، لكن قراءة مغايرة تكشف العكس. كان إعادة تمركز للسيطرة على غزة والخارج، إغلاق المعابر وحصار بري وبحري خانق وتحويل القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم. كل هذا لكسر إرادة السكان أو دفعهم إلى “الهجرة الطوعية”.

وكانت كل حرب على غزة نكبة مختلفة، نفس الأسلوب ونفس النموذج، فقط بمسميات جديدة.

إسرائيل لم تتخل عن مشروع الهندسة الديموغرافية، لكنها غيرت من تكتيكها، فانطلقت من التدمير المباشر للقرى في 1948، إلى الحصار والتهجير التدريجي في العقدين الأخيرين.

غزة بعد الطوفان، النكبة الأكثر وحشية
ما حدث في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 فاق كل التوقعات. ليس من حيث حجم الدمار فقط، بل من حيث العلنية التي تُطبق بها استراتيجية “التهجير” القسري للسكان.

قدرت مصادر أممية أن أكثر من 70% من المباني في شمال غزة دمرت أو تضررت بشكل لا يصلح للسكن. تم تهجير 1.9 مليون شخص داخل القطاع، بعضهم 4 أو 5 مرات متتالية من الشمال إلى “المواصي” في الجنوب، ثم إلى مناطق زعم جيش الاحتلال أنها آمنة، قبل أن يقصفها لاحقا. وكالات الإغاثة تحدثت عن “مجاعة مصطنعة ” لم يتسبب فيها الجفاف أو الكوارث الطبيعية، بل منع إسرائيل المتعمد دخول المساعدات، وهو ما يعتبر جريمة حرب بموجب قانون روما الأساسي.

بعد عملية طوفان الأقصى، لم يعد الحديث عن التهجير همسا بين المتطرفين. فوزراء في الحكومة نيتنياهو الحالية، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير…، يطالبون علنا بتشجيع “الهجرة الطوعية للفلسطينيين خارج أراضي فلسطين”. رئيس الوزراء في تسريبات ناقش خططا لتقسيم القطاع وإنشاء مناطق عازلة تفرض واقعا جديدا، ومجموعات استيطانية أعلنت عن عزمها بناء مستوطنات في غزة بعد انتهاء الحرب.

المؤرخ الفلسطيني-الأميركي المختص في النكبة رشيد خالدي، قال في مقابلة مع صحيفة “لوموند”: “ما يحدث في غزة هو تكرار مباشر ومروع لنمط 1948. تفريغ المناطق من سكانها الأصليين لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية هو الهدف الذي كان وما زال.”

غزة اليوم ليست ساحة معركة تقليدية. هي مسرح نكبة أخرى أكثر تطرفا، لأنها تتم تحت أنظار العالم وبث مباشر، ومع ذلك لا توجد آلية رادعة.

لماذا لم يوقف العالم هذا؟

إذا كان التطهير العرقي محددا في القانون الدولي كجريمة ضد الإنسانية، وإذا كانت المجاعة المصطنعة جريمة حرب، فلماذا يستمر كل هذا دون تدخل حقيقي؟

إسرائيل تطبق “قانون العودة” الذي يمنح كل يهودي في العالم الحق في الهجرة والجنسية الفورية. في المقابل، تمنع حق العودة لأكثر من 7 ملايين لاجئ فلسطيني، متجاهلة بذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الذي يؤكد أن “اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم يجب أن يُسمح لهم بذلك في أقرب تاريخ ممكن”. هذا ليس مجرد تناقض أخلاقي، بل هو الأساس القانوني والسياسي لاستمرار النكبة.

ثم إن الولايات المتحدة وعددا من الدول لا تكتفي بالصمت فقط، بل تقدم دعما عسكريا ودبلوماسيا غير محدود. الطائرات والقنابل والذخائر التي دمرت غزة هي أميركية الصنع في غالبيتها، بأموال دافعي الضرائب الأميركيين. وأي محاولة في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار أو فرض عقوبات تقابل بالفيتو الأميركي.

كانت محكمة الجنايات الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت في نوفمبر 2024، لكن التنفيذ يبقى شبه مستحيل بدون تعاون الدول. والفيتو الأميركي يعطل أي عقوبات ذات معنى في مجلس الأمن.


بعد 75 عاما على النكبة الأولى، وثلاث سنوات على بدء حرب غزة 2023، يمكننا القول بيقين أن النكبة لم تكن حدثا تاريخيا عابرا فقط. إنها سياسة مستمرة، أعادت إنتاج نفسها في غزة اليوم بنفس المنطق الهندسي الديموغرافي، لكن بأدوات أكثر فتكا وبتغطية إعلامية أوسع.

العالم الذي صمت عند تدمير القرى الفلسطينية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، يتحمل اليوم مسؤولية ما يحدث في غزة. الصمت الطويل يعني الموافقة الضمنية. والموافقة تعني أن النكبة الثالثة أو الرابعة قادمة لا محالة، طالما بقي “حق العودة” مسلوبا، وطالما بقي “التهجير” خيارا مطروحا على طاولة النقاش الإسرائيلي دون رادع.

أما الفلسطينيون في غزة وفي مخيمات الشتات، فلا يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم القديمة. تلك المفاتيح الصدئة ليست مجرد قطع حديدية بالية. إنها وثائق إثبات حية على أن بيتا كان قائما يوما ما، وحديقة كانت مزهرة، وشارعا كان مليئاً بالحياة. وأن القصة، رغم كل محاولات الطمس والتهجير والإبادة، لم تنته بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى