كتاب وآراء

التعليم الأولي بين مطرقة الهشاشة المهنية وسندان العقود المؤقتة.

-قراءة حقوقية في مضمون عقد العمل المقترح من الفدرالية المغربية للتربية والتعليم الأولي-

بقلم الأستاذ شكيب الخاي – رئيس المرصد المغربي لحقوق الإنسان.

انطلاقا من الدور الذي يضطلع به المرصد المغربي لحقوق الإنسان في رصد أوضاع الحقوق والحريات، والدفاع عن كرامة الإنسان، ومتابعة مدى احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها الحق في العمل اللائق والحماية الاجتماعية والإنصاف وعدم التمييز، فقد تم الاطلاع على مشروع عقد العمل المقترح من طرف الفدرالية المغربية للتربية والتعليم الأولي لفائدة مربيات ومربي التعليم الأولي بأسفي.


وإذا كان الأصل أن يشكل عقد الشغل إطارا قانونيا لتنظيم العلاقة بين المشغل والأجير، بما يضمن حقوق والتزامات الطرفين، فإن قراءة متأنية لمضمون العقد المعروض تكشف عن مجموعة من المقتضيات التي تستدعي التوضيح والمراجعة، لكون بعضها قد يثير مخاوف حقيقية بشأن التوازن التعاقدي والأمن المهني والحق في الأجر، والحق في التعويض، والحق في التظلم والانتصاف، والحماية من التعسف في إنهاء علاقة الشغل.


فالمسألة بالنسبة إلى المرصد المغربي لحقوق الإنسان، لا تختزل في خلاف حول صياغة تعاقدية، وإنما تتصل بالسؤال الأعمق التالي: هل يستطيع التعليم الأولي أن يؤدي رسالته في بناء الإنسان، إذا كان جزء من القائمين عليه يشتغلون في ظل هشاشة مهنية وعدم يقين دائم بشأن الأجر والاستقرار والمستقبل؟


من هذا المنطلق، نسجل الملاحظات التالية:


1- الحق في العمل اللائق لا ينسجم مع منطق الهشاشة الدائمة، إذ العقد يحدد مدة العمل في سنة واحدة، من 01 شتنبر 2026 إلى 31 غشت 2027، ويربط استمرار هذه العلاقة بمدة الشراكة المبرمة بين الفدرالية والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.
ولا يبدي المرصد اعتراضا من حيث المبدأ على اللجوء إلى العقد محدد المدة عندما تتوفر شروطه القانونية، غير أن الإشكال الحقوقي يطرح عندما تصبح العقود المحددة المدة قاعدة دائمة بالنسبة إلى أشخاص يؤدون عملا مستمرا ومتكررا سنة بعد أخرى.
فالحق في العمل لا ينبغي أن يختزل في مجرد الحصول على منصب مؤقت، وإنما ينبغي أن يرتبط أيضا بمبادئ الاستقرار والأمان المهني والحماية الاجتماعية.
ومن غير المقبول حقوقيا أن يعيش المربي كل سنة حالة من عدم اليقين، تؤرق ذهنه أسئلة محيرة على غرار: هل سيجدد العقد؟ هل سيستمر القسم؟ هل سيستمر التمويل؟ هل سيؤدى الأجر في موعده؟ وهل ستحتسب سنوات الخدمة السابقة؟
إن تحويل هذه الأسئلة إلى هاجس سنوي دائم قد يجعل من العقد محدد المدة أداة لإنتاج هشاشة مهنية مزمنة بدل أن يكون وسيلة استثنائية لتنظيم عمل مؤقت.


2- الأجر حق وليس منحة مرتبطة بإرادة جهة ثالثة، فمن أكثر المقتضيات إثارة للانتباه ما ورد في العقد بخصوص الأجر، حيث ربط أداء الأجر بتوصل الفدرالية بالدعم من الجهة المانحة.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن هذه الصياغة تثير إشكالا بالغ الأهمية. فالأجير لا تربطه علاقة شغلية بالجهة المانحة، وإنما بالمشغل الموقع على عقد العمل، وبالتالي فإن المخاطر المالية المرتبطة بالشراكة أو بالتمويل لا ينبغي أن تنتقل إلى الأجير.
إن الأجر مقابل العمل ليس إحسانا ولا منحة ولا مكافأة، وإنما هو حق اجتماعي واقتصادي أساسي. ومن ثم، فإن أي تأخير في التمويل بين المتعاقدين أو بين المؤسسات لا ينبغي أن يؤدي تلقائيا إلى تأخير أجر المربي الذي أدى عمله بالفعل.
والمرصد يعتبر أن انتظام الأجر جزء من الحق في العمل اللائق، وليس امتيازا يمنحه المشغل متى توفرت لديه السيولة.


3- غموض قيمة الأجر يضعف الأمن التعاقدي، حيث ينص العقد على أن الأجر هو “الحد الأدنى للأجر كما تحدده التشريعات المعمول بها وطنيا”، دون تحديد مبلغ واضح داخل العقد. ومن منظور حقوقي، فإن الأجير ينبغي أن يدخل العلاقة التعاقدية وهو يعرف بشكل دقيق ما يلي: قيمة أجره، تاريخ أدائه، طريقة أدائه، الاقتطاعات القانونية، الحقوق والتعويضات المرتبطة به، ساعات العمل، العطل والرخص، والحقوق الاجتماعية المترتبة عن العمل.
فكلما كان الأجر غامضا، اتسعت مساحة عدم اليقين، وكلما اتسعت مساحة عدم اليقين اتسعت إمكانية نشوء النزاع. لهذا فإن الوضوح التعاقدي ليس مسألة شكلية، وإنما ضمانة من ضمانات حماية الطرف الأضعف في العلاقة الشغلية.


4- بند إسقاط التعويضات يثير إشكالا حقوقيا خطيرا، إذ ينص البند الثالث على ما يلي:(لا يمكن للأجير(ة) … أن يطالب بأي تعويض بعد انتهاء تشغيله تبعا لهذا العقد)، وهذا من أكثر البنود التي تستوجب المراجعة، لأن صياغته جاءت عامة ومطلقة. فالحقوق المالية التي تنشأ عن علاقة الشغل لا يمكن إسقاطها بمجرد إدراج عبارة عامة في عقد العمل. كما أن انتهاء العقد لا يعني، بأي حال، أن الأجير يفقد تلقائيا الحقوق التي اكتسبها أثناء فترة العمل. ومن ثمة، فإن أي صياغة تعاقدية يمكن أن يفهم منها أن الأجير يتنازل مسبقا عن حقوقه أو عن حقه في المطالبة بها ينبغي أن تخضع لتدقيق قانوني وحقوقي صارم. والمرصد يعتبر أن التوقيع على عقد العمل لا ينبغي أن يتحول إلى توقيع مسبق على التنازل عن الحقوق.


5- عدم التوازن بين الالتزامات والضمانات، فالعقد يخصص حيزا واسعا لتعداد التزامات الأجير، حيث يصل عددها إلى 14 التزاما، تشمل العمل والتكوين والحضور واحترام التعليمات والحفاظ على السرية وعدم التغيب وعدم العمل لدى الغير واحترام السلم الإداري وغيرها.
في المقابل، جاءت التزامات المشغل محدودة ومختصرة، أساسا في التغطية الاجتماعية والصحية والتأمين عن حوادث الشغل.
ومن منظور حقوقي، فإن العقد المتوازن ينبغي أن يحدد بوضوح ما الذي يلتزم به الأجير؟ وفي الوقت نفسه ما الذي يلتزم به المشغل؟
فالمربي ملزم بالحضور والأداء والتكوين واحترام التعليمات، لكن المشغل ينبغي أن يكون ملزما بوضوح أيضا بالأجر المنتظم، وظروف العمل اللائقة، والحماية من المخاطر المهنية، والتصريح الاجتماعي، واحترام الكرامة، والحماية من العنف والتحرش، واحترام الحقوق النقابية، وتوفير الوسائل الضرورية لأداء العمل.


6- سلطة الإنهاء الفوري تحتاج إلى ضمانات ضد التعسف، فإذا كان العقد ينص على حق الطرف الأول في فسخه في أي وقت في إحدى الحالات التي تعتبر أخطاء جسيمة طبقا لأحكام مدونة الشغل، فإن المشكل ليس في تطبيق القانون عند ارتكاب خطأ جسيم، وإنما في ضرورة ضمان أن لا تتحول عبارة “خطأ جسيم” إلى سلطة تقديرية مطلقة للمشغل، خاصة وأن الحقوق الأساسية في العمل تتطلب احترام مبادئ: المشروعية، التناسب، حق الدفاع، المسطرة، إمكانية الطعن والانتصاف.
ولا ينبغي أن يصبح الأجير معرضا لفقدان عمله بمجرد تقدير إداري أو مهني غير قابل للمناقشة.
كما أن أي إجراء تأديبي يجب أن يحترم الضمانات القانونية والمسطرية، وألا يتحول العقد نفسه إلى وسيلة لتجاوز تلك الضمانات.


7- منع العمل لدى الغير بصياغة واسعة قد يمس بحرية الأجير، خاصة وأن العقد يمنع الأجير من أداء أعمال للغير، بأجر أو بدون أجر، حتى أثناء العطل، إلا بإذن كتابي مسبق. فحماية مصالح المشغل ومنع تضارب المصالح أمر مفهوم، لكن الصياغة الحالية تبدو واسعة جدا. إذ المنع ينبغي أن يرتبط، بشكل واضح، بحالات: تضارب المصالح، المنافسة غير المشروعة، استغلال أسرار العمل، أو الإضرار المباشر بمصالح المشغل. أما تحويل المنع إلى قاعدة عامة تشمل أي نشاط مشروع يمارسه الأجير خارج وقت العمل، فقد يطرح إشكالات مرتبطة بحريته الشخصية والاقتصادية خارج علاقة الشغل.


8- الحق في التواصل والتظلم لا ينبغي أن يصادر، وهو ما يتمظهر في أكثر البنود إثارة للقلق حقوقيا، البند الذي يفرض احترام السلم الإداري ويمنع التواصل المباشر مع المصالح الإدارية بالمديرية الإقليمية أو الأكاديمية الجهوية أو غيرها.
فاحترام التنظيم الإداري أمر مشروع، لكن لا ينبغي تفسيره على أنه منع من الشكوى، أو منع من التظلم، أو منع من التبليغ عن الاختلالات، أو منع من اللجوء إلى الجهات المختصة. فالحق في الانتصاف والتظلم من الحقوق الأساسية. كما ينبغي أن يكون للأجير الحق في اللجوء إلى الجهات الإدارية والقضائية والحقوقية والنقابية المختصة، متى رأى أن حقا من حقوقه قد تعرض للانتهاك. والمرصد يرفض أي قراءة تعاقدية يمكن أن تؤدي إلى عزل الأجير عن آليات الحماية والانتصاف.


9- احترام الحرية النقابية حق لا يمكن أن يكون محل إذن، حيث إن العقد حتى وإن لم يتضمن منعا صريحا للنشاط النقابي، فإن أي مقتضى قد يفهم منه التضييق على التواصل أو التظلم أو التعبير عن المطالب المهنية ينبغي أن يقرأ في ضوء الحقوق النقابية المكفولة قانونا. فالأجير لا يفقد صفته كمواطن أو كفاعل اجتماعي بمجرد توقيعه عقد العمل. كما أن ممارسة الحق النقابي لا تحتاج إلى إذن من المشغل.
ومن ثم، فإن المرصد يؤكد أن الحماية من الانتقام أو التضييق بسبب النشاط النقابي أو المطالبة بالحقوق يجب أن تكون حاضرة بوضوح في أي عقد شغل يحترم المعايير الحقوقية.


10- الأقدمية المهنية ليست رقما قابلا للمحو، حيث إن العقد لا يتضمن مقتضيات واضحة بشأن احتساب سنوات الخدمة السابقة للمربين الذين سبق لهم الاشتغال في التعليم الأولي.
وهذا يثير سؤالا حقوقيا مهما مفاده: هل يعاد كل سنة تشغيل المربي وكأنه يلتحق بالعمل لأول مرة؟
إذا كان المربي قد اشتغل لسنوات لدى نفس المشغل أو في إطار علاقة شغلية مستمرة فعليا، فإن تجاهل مساره المهني قد يؤدي إلى إضعاف عدد من الحقوق المرتبطة بالأقدمية.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن سنوات العمل ليست مجرد مدة زمنية؛ إنها جهد وخبرة وعطاء وحقوق اجتماعية ومهنية تراكمية.
ولا ينبغي أن تتحول العقود السنوية إلى وسيلة لمحو هذا التراكم.


11- التعليم الأولي لا يمكن أن يبنى على هشاشة المربي الذي يعيش هاجس تجديد العقد وتأخر الأجر وعدم وضوح المستقبل المهني، إذ يصعب أن يشعر بالأمان والاستقرار الضروريين لأداء رسالته التربوية على الوجه المطلوب.
ومن هنا فإن قضية شروط عمل مربيات ومربي التعليم الأولي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قضية فئوية فقط، وإنما باعتبارها قضية حقوقية ومجتمعية وتربوية.
فالحق في تعليم أولي جيد يرتبط، بصورة وثيقة، بحق العاملين فيه في ظروف عمل لائقة. ولا يمكن أن نطالب المربي بالاستقرار النفسي والمهني والجودة والإبداع، بينما نضعه في وضعية مهنية عنوانها: “اعمل اليوم ولا تعرف ماذا سيحدث لك غدا.”


12- الحماية الاجتماعية يجب أن تكون فعلية وليست مجرد مقتضى تعاقدي، فإذا كان العقد يشير إلى الاستفادة من الضمان الاجتماعي، التأمين الإجباري عن المرض، التأمين ضد حوادث الشغل. وهو أمر إيجابي من حيث المبدأ، لكن الحق لا يتحقق بمجرد كتابته في العقد، إذ المطلوب هو التأكد من: التسجيل الفعلي، والتصريح الحقيقي، وأداء الاشتراكات، واستمرارية التغطية، وتمكين الأجير من الوثائق المثبتة لوضعيته.
فالحق في الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة مطبوعة في نهاية العقد.


13- التكوين حق وواجب، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عمل مجاني مفتوح، خاصة وأن العقد يلزم المربي بالحضور في جميع الدورات التكوينية واللقاءات التأطيرية التي تنظمها مختلف الجهات.
والمرصد يعتبر أن التكوين المستمر عنصر أساسي في جودة التعليم الأولي، لكن ينبغي في المقابل تحديد: مدة التكوين، مكانه، ظروف التنقل، توقيته، علاقته بساعات العمل، والمسؤول عن تحمل المصاريف عند الاقتضاء.
فالالتزام بالتكوين ينبغي أن يكون جزءا من التطوير المهني، وليس بابا لإضافة ساعات عمل غير مؤدى عنها.


14- ضرورة إدماج مقاربة النوع والكرامة الإنسانية، خاصة وأن التعليم الأولي يشكل مجالا تشتغل فيه نسبة مهمة من النساء، وهو ما يستوجب، من منظور حقوق الإنسان، التأكيد الصريح على حماية المربيات من جميع أشكال التمييز، التحرش، العنف، الإهانة، الابتزاز، الانتقام المهني، والتمييز بسبب الوضعية الاجتماعية أو الأسرية.
كما ينبغي توفير آليات واضحة وسرية لتلقي الشكايات والتحقيق فيها ومعالجتها.
فكرامة المربية والمربي ليست بندا ثانويا في عقد العمل، بل هي جوهر الحق في العمل اللائق.


15- الحاجة إلى آلية مستقلة وفعالة للشكايات، إذ العقد لا يوضح بشكل كاف كيفية معالجة شكايات الأجير ضد المشغل.
وبالتالي ينبغي توفير مسار واضح يمكن من خلاله للأجير: تقديم شكايته، الحصول على جواب داخل أجل معقول، حماية هويته عند الضرورة، عدم تعرضه للانتقام بسبب الشكوى، اللجوء إلى التفتيش أو القضاء أو المؤسسات المختصة عند الاقتضاء.
فالحق في الشكوى دون حماية من الانتقام حق ناقص.


16- الوساطة لا يمكن أن تكون بديلا عن الحق في القضاء، فالعقد ينص على إمكانية اللجوء إلى الوساطة والتحكيم قبل المساطر القضائية.
والمرصد يرحب بكل آلية حقيقية وفعالة لتسوية النزاعات وديا، شرط أن تكون قائمة على الرضا والحياد والإنصاف.
لكن الوساطة ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لإجبار الأجير على التخلي عن حقه في اللجوء إلى القضاء. فالحق في التقاضي والانتصاف الفعال يظل من الضمانات الأساسية للحقوق.


17- الإدماج في سلك الوظيفة العمومية هو الحل الأمثل لضمان الاستقرار المهني والاجتماعي لمربيات ومربي التعليم الأولي، فالمرصد المغربي لحقوق الإنسان، وانطلاقا من طبيعة المهام التي تضطلع بها هذه الفئة، ومن كون التعليم الأولي يشكل جزءا أساسيا من المنظومة التربوية الوطنية، يرى أن معالجة إشكالية الهشاشة المهنية لا ينبغي أن تظل محصورة في تحسين شروط العقود السنوية أو تعديل بعض بنودها، وإنما ينبغي أن تتجه نحو حل جذري يضع حدا لمنطق العقود المؤقتة المرتبطة بالشراكات والتمويل.


ويتمثل هذا الحل، في نظر المرصد، في إدماج مربيات ومربي التعليم الأولي في سلك الوظيفة العمومية، وفق إطار قانوني ومؤسساتي واضح، وبما يحفظ لهم الأقدمية والخبرة المهنية والحقوق الاجتماعية والمهنية المكتسبة.
فالإدماج في الوظيفة العمومية من شأنه أن يضع حدا لحالة عدم اليقين المرتبطة بتجديد العقود واستمرار التمويل، ويضمن الاستقرار المهني والاجتماعي، ويوفر شروطا أكثر ملاءمة لتطوير الكفاءة المهنية وتحسين جودة التعليم الأولي.
كما أن هذا الإدماج لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مطلب فئوي أو امتيازا خاصا، وإنما باعتباره استجابة طبيعية لتحول التعليم الأولي إلى مرفق تربوي أساسي داخل المنظومة التعليمية، ولضرورة انسجام الوضعية المهنية للعاملين فيه مع طبيعة الوظيفة التي يؤدونها.


إن الاستمرار في تدبير قطاع استراتيجي من خلال عقود سنوية مرتبطة بالشراكات والتمويل يكرس، في جوهره، منطق الهشاشة وعدم الاستقرار، بينما يقتضي إصلاح التعليم الأولي بناء مسار مهني مستقر وواضح للعاملين فيه.
وعليه، فإن المرصد المغربي لحقوق الإنسان يعتبر أن الإدماج في سلك الوظيفة العمومية ينبغي أن يشكل الأفق الأساسي لأي معالجة جادة ومستدامة لوضعية مربيات ومربي التعليم الأولي، بدل الاكتفاء بتدبير الهشاشة من خلال عقود محددة المدة.


إن المرصد المغربي لحقوق الإنسان، من خلال هذه القراءة، لا يصدر حكما قضائيا على العقد، ولا ينتحل اختصاص المؤسسات المكلفة بتفسير القانون وتطبيقه.
وإنما يسجل، من زاوية حقوقية، أن عددا من بنوده يحتاج إلى مراجعة قانونية وحقوقية عميقة حتى يصبح العقد أداة لحماية العلاقة الشغلية، لا وسيلة لترجيح كفة طرف على حساب الطرف الآخر.
إننا أمام فئة تؤدي وظيفة تربوية بالغة الحساسية، وبالتالي فإن احترام حقوقها ليس مطلبا فئويا ضيقا، وإنما هو جزء من الحق المجتمعي في تعليم أولي جيد، وفي خدمات تربوية تؤدى في ظروف تحفظ كرامة العاملين بها.
والمرصد يعتبر أن العلاقة الشغلية السليمة يجب أن تقوم على الكرامة بدل الخوف، والاستقرار بدل الهشاشة، والحق بدل المنحة، والوضوح بدل الغموض، والحوار بدل الإملاء، والإنصاف بدل اختلال موازين القوة.
بناء على ما سبق، يدعو المرصد المغربي لحقوق الإنسان إلى:

اعتماد الإدماج في سلك الوظيفة العمومية باعتباره الحل الأمثل والجذري لضمان الاستقرار المهني والاجتماعي لمربيات ومربي التعليم الأولي، ووضع حد لمنطق العقود السنوية المرتبطة بالشراكات والتمويل، مع حفظ الأقدمية والخبرة المهنية والحقوق المكتسبة وفقا للقانون.
إن المرصد المغربي لحقوق الإنسان يؤكد أن الحق في العمل لا يعني فقط الحق في الحصول على وظيفة، وإنما يعني أيضا الحق في العمل في ظروف عادلة ومنصفة تحفظ الكرامة والاستقرار والحماية الاجتماعية.
كما يؤكد أن مربيات ومربي التعليم الأولي ليسوا مجرد أرقام في مشاريع الشراكة، ولا مجرد تكلفة مالية في ميزانيات المؤسسات، وإنما هم نساء ورجال يؤدون وظيفة تربوية واجتماعية أساسية في بناء شخصية الطفل المغربي وتكوينه الأولي.


ومن ثم، فإن أي إصلاح لمنظومة التعليم الأولي يجب أن يبدأ، قبل كل شيء، من إنصاف العاملين فيها.
فالاستثمار الحقيقي في التعليم الأولي لا يبدأ من الحجرات والمناهج فقط، بل يبدأ من الإنسان الذي يقف داخل الحجرة، ومن حقه في الكرامة والأجر العادل والأمان المهني والحماية الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرصد المغربي لحقوق الإنسان يجدد تأكيده أن الإدماج في سلك الوظيفة العمومية هو المدخل الأكثر نجاعة واستدامة لإنهاء الهشاشة المهنية، وضمان الاستقرار والكرامة لمربيات ومربي التعليم الأولي، والارتقاء بجودة هذه الخدمة التربوية الأساسية.

إعادة النظر في مشروع العقد وإخضاعه لمراجعة قانونية وحقوقية قبل اعتماده.

توضيح الأساس القانوني للعقود محددة المدة ومدى ملاءمتها لطبيعة العمل الفعلية لمربيات ومربي التعليم الأولي.

ضمان الأجر المنتظم في موعده، وعدم تحميل الأجير تبعات تأخر الدعم أو التمويل.

تحديد الأجر وجميع عناصره بشكل صريح وواضح داخل العقد.

حذف كل صياغة يمكن أن تفهم على أنها تنازل مسبق عن الحقوق أو التعويضات القانونية.

ضمان احترام المساطر القانونية في كل إجراء تأديبي أو قرار بإنهاء علاقة الشغل.

حماية الحق في التظلم والشكوى واللجوء إلى المؤسسات المختصة والقضاء.

ضمان الحرية النقابية وعدم التضييق على الأجراء بسبب نشاطهم النقابي أو مطالبتهم بحقوقهم.

الاعتراف بالأقدمية المهنية وفقا للمقتضيات القانونية وعدم جعل تجديد العقد مناسبة لإعادة تصفير المسار المهني.

ضمان التصريح الفعلي والكامل بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والاستفادة الفعلية من الحماية الاجتماعية والصحية والتأمين عن حوادث الشغل.

تحديد المهام المهنية للمربي(ة) بدقة وعدم تحميله مسؤوليات إضافية غير مرتبطة بجوهر وظيفته دون إطار واضح.

تنظيم التكوينات واللقاءات التأطيرية بما يحترم زمن العمل وحقوق الأجير.

إحداث آلية واضحة ومستقلة وفعالة لتلقي شكايات الأجراء وحمايتهم من كل أشكال الانتقام.

فتح حوار مؤسساتي تشاركي حول شروط عمل مربيات ومربي التعليم الأولي، بمشاركة الجهات المعنية.

زر الذهاب إلى الأعلى