زلزال الإعفاءات في قطاع التعليم!!بين منطق المحاسبة وضمانات المشروعية.. قراءة في بيان التضامن الجامعي المغربي.

بقلم الأستاذ شكيب الخاي
في خضم التحولات التي يشهدها قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب، جاء البيان الصادر عن منظمة التضامن الجامعي المغربي في 10 أبريل الجاري ليسلط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الآونة الأخيرة، والمتمثلة في سلسلة الإعفاءات المتتالية التي طالت عددا من المديرين الإقليميين. هذه الخطوة التي وصفت من قبل العديد من الفاعلين التربويين والنقابيين بـ”المفاجئة” و”غير المبررة”، أثارت موجة من التساؤلات حول مدى احترامها لمبادئ المشروعية الإدارية والحكامة الجيدة.
لا يقتصر البيان على تسجيل موقف تضامني مع المسؤولين المعنيين، بل يتجاوز ذلك ليقدم قراءة قانونية ومؤسساتية دقيقة، تلامس جوهر دولة الحق والقانون. فقد شدد على أن القرارات المتخذة تفتقر إلى التعليل القانوني الكافي، في تعارض واضح مع مقتضيات القانون رقم 01.03 المتعلق بإلزامية تعليل القرارات الإدارية، والذي يعد إحدى الركائز الأساسية لترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتعليل ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة قانونية تحمي الإدارة من التعسف، وتكفل للمعنيين بالأمر حقهم في الفهم والطعن عند الاقتضاء.
إلى جانب ذلك، أبرز البيان ما اعتبره خرقا لمبدأ حق الدفاع، حيث إن اتخاذ قرارات إعفاء دون تمكين المسؤولين المعنيين من فرصة تقديم توضيحاتهم أو الرد على ما قد ينسب إليهم من اختلالات، يشكل مساسا بضمانات المحاكمة الإدارية العادلة، ويطرح إشكاليات قانونية قد تفتح الباب أمام الطعن القضائي بدعوى الشطط في استعمال السلطة.
ومن الزاوية المؤسساتية، يثير توقيت هذه الإعفاءات العديد من علامات الاستفهام، خاصة أنها جاءت في مرحلة حساسة من الموسم الدراسي، تتزامن مع الاستعدادات للامتحانات الإشهادية. فاستقرار المسؤوليات الإدارية على المستوى الترابي يعد شرطا أساسيا لضمان السير العادي للمرفق العمومي التعليمي، وأي تغيير مفاجئ في هرم القيادة قد ينعكس سلبا على فعالية التدبير التربوي وعلى معنويات الأطر العاملة بالقطاع.
كما توقف البيان عند مسألة ربط هذه الإعفاءات بتقييم مشروع “المدرسة الرائدة”، معتبرا أن تحميل المديرين الإقليميين مسؤولية اختلالات ذات طابع بنيوي أو مركزي يعد تبسيطا مخلا لإشكالات الإصلاح التربوي. فنجاح أي مشروع إصلاحي يظل رهينا بتظافر جهود مختلف المتدخلين، من إدارة مركزية وأكاديميات جهوية وأطر تربوية وشركاء مؤسساتيين، مما يجعل من غير المنصف اختزال المسؤولية في مستوى تدبيري واحد.
ويكتسي بيان منظمة التضامن الجامعي المغربي أهمية خاصة، ليس فقط لكونه يعبر عن موقف هيئة مدنية ذات امتداد وطني، بل لأنه يسلط الضوء على ضرورة تحصين الأمن المهني للمسؤولين الإداريين. فالشعور بالاستقرار الوظيفي يشكل عاملا حاسما في تعزيز المبادرة والابتكار في التدبير، في حين أن القرارات المفاجئة وغير المعللة قد تكرس مناخا من الحذر والتردد، بما لا يخدم أهداف الإصلاح المنشودة.
ومن جهة أخرى، دعا البيان مختلف القوى الحية من مجتمع مدني ونقابات تعليمية وأحزاب سياسية إلى التفاعل الجاد مع هذه التطورات، بما يضمن تكريس مبادئ المساواة والشفافية، ويحول دون تكرار مثل هذه الممارسات مستقبلا. كما شدد على أهمية اعتماد مقاربة تشاركية في تقييم السياسات التربوية، قائمة على الموضوعية والإنصاف، بعيدا عن منطق البحث عن “كبش فداء” لتبرير تعثرات قد تكون ذات أبعاد هيكلية.
إن الجدل الذي أثارته هذه الإعفاءات يعكس في عمقه إشكالية أوسع تتعلق بحدود السلطة التقديرية للإدارة، وضرورة ممارستها في إطار من المشروعية والشفافية. فالإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية لا يمكن أن يتحقق من خلال قرارات ارتجالية، بل يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة، تستند إلى التقييم الموضوعي والمساءلة العادلة، وتستحضر في الآن ذاته مصلحة المتعلمين باعتبارها الغاية الأسمى لكل سياسة تعليمية.
وفي المحصلة، يشكل بيان منظمة التضامن الجامعي المغربي إضافة نوعية إلى النقاش العمومي الدائر حول حكامة قطاع التعليم، إذ يضع صناع القرار أمام مسؤولياتهم التاريخية في صون استقرار المرفق العمومي التعليمي، وتعزيز الثقة في المؤسسات. فبين متطلبات الإصلاح وضرورة احترام الضمانات القانونية، يظل التوازن بين الفعالية الإدارية والعدالة المؤسساتية شرطا أساسيا لبناء منظومة تربوية قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي.
وفي ظل هذا المشهد المثير للجدل، تتجاوز تداعيات الإعفاءات المتتالية مجرد كونها إجراءات إدارية معزولة، لتفتح الباب أمام جملة من التساؤلات العميقة حول خلفياتها الحقيقية وأبعادها غير المعلنة. فهل يتعلق الأمر فعلا بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار إصلاح المنظومة التربوية؟ أم أن هذه القرارات تخفي بين طياتها اعتبارات أخرى تتجاوز البعد التربوي والإداري؟
وفي منظورنا الشخصي، نرى أن تزامن هذه الإعفاءات مع سياق سياسي يتسم بالاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة يثير علامات استفهام مشروعة حول احتمال توظيف الإدارة الترابية لقطاع التعليم في إعادة ترتيب موازين النفوذ، عبر ما يتداول بشأنه من سعي محتمل إلى “تبليص” مسؤولين وتعيين آخرين ينظر إليهم باعتبارهم أكثر قربا أو ولاء للأحزاب المشكلة للحكومة الحالية. فهل نحن أمام دينامية إصلاحية حقيقية، أم بصدد إعادة تشكيل الخريطة الإدارية بمنطق سياسي وانتخابي؟
وإذا كان من حق الحكومة ممارسة سلطتها التقديرية في تدبير الشأن العام، فإن ذلك يظل مشروطا باحترام مبادئ الحياد والمشروعية وتكافؤ الفرص، بما يضمن عدم تحويل المرفق العمومي إلى مجال للتجاذبات السياسية أو أداة لخدمة حسابات ظرفية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى توضيحات رسمية شفافة تضع حدا لحالة الجدل، وتعزز ثقة الرأي العام في سلامة القرارات المتخذة.
فهل تكشف الأيام المقبلة عن مبررات موضوعية ومقنعة لهذه الإعفاءات؟ أم أن الأمر يتعلق بملامح إعادة هندسة إدارية ذات خلفيات سياسية استعدادا لمحطات انتخابية قادمة؟ تساؤلات تبقى مفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات، لكنها في جميع الأحوال تؤكد أن استقرار المنظومة التربوية وحيادها يظلان رهانا أساسيا لا يحتمل أي توظيف أو مجازفة.






