كتاب وآراء

المفارقة الموجعة بين توزيع الورود، وإيداع شكايات أستاذات التعليم الأولي..يحدث هذا في بهو مديرية أسفي احتفاء باليوم العالمي للمرأة!!

بقلم الأستاذ – شكيب الخاي

لم يكن صباح الاثنين 09 مارس الجاري في بهو المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بأسفي صباحا عاديا، كان فضاء واحد يحتضن مشهدين متجاورين متناقضين حد الألم، كأنهما صورتان لوجهين مختلفين من الحكاية نفسها؛ حكاية المرأة داخل منظومة التعليم، بين الاحتفاء الرمزي من جهة، والمعاناة الصامتة من جهة أخرى.
في إحدى زوايا فناء المديرية، كانت جمعية أطر المديرية تقيم لحظة احتفاء بالموظفات اللواتي يشتغلن بمقر المديرية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، ورود تقدم وابتسامات توزع وعدسات هواتف تلتقط صورا توثق اللحظة… كانت الوجوه مشرقة والعبارات الرقيقة تتردد في الأرجاء؛ كلمات تقدير وعبارات اعتراف بمجهودات النساء في خدمة المنظومة التعليمية.


كان المشهد أنيقا ومبهجا في ظاهره؛ لحظة رمزية جميلة، تعلن -كما جرت العادة- اعتراف المؤسسة بدور المرأة ومكانتها.
لكن على بعد أمتار قليلة فقط، وفي زاوية أخرى من الفناء ذاته، كان مشهد مختلف تماما يتشكل في صمت.
هناك، لم تكن الورود حاضرة.. كانت الأوراق فقط، أوراق تحمل شكايات.
كانت مجموعة من أستاذات التعليم الأولي العاملات بموجب عقود إذعان مع جمعيات التعليم الأولي، يقفن بملامح يختلط فيها التعب بالرجاء… في أيديهن لم تكن باقات الورد بل ملفات وشكايات يضعنها في مكتب الضبط، بعد سنوات من الصبر على ما يصفنه بسلسلة طويلة من الابتزاز والتضييق والترهيب.


كنت هناك مؤازرا ومساندا لهن باسم الجامعة الوطنية للتعليم -التوجه الديمقراطي- FNE في إطار حضور جلسة الاستماع إليهن من طرف لجنة منتدبة عن المديرية الإقليمية، باعتبارهن مشتكيات ضد رؤساء جمعيات يتهمنهم بالسطو على حقوقهن المشروعة، وبممارسة ضغوط مختلفة عليهن، رغم أن الشكايات المقدمة كانت مرفقة بحجج ووثائق لا غبار عليها.


في تلك اللحظة، بدا المشهد كله وكأنه مفارقة قاسية تجسد التفاوت داخل المنظومة نفسها.. في زاوية أولى توزع الورود احتفاء بالمرأة، وفي زاوية ثانية تودع الشكايات دفاعا عن كرامتها..هنا ابتسامات وصور تذكارية.. وهناك وجوه مرهقة تحمل سنوات من المعاناة.
هنا كلمات الامتنان، وهناك روايات مؤلمة عن ابتزاز واستغلال طال أمده.
إنه تناقض يكشف، دون كثير من التأويل، عن طبقتين من النساء داخل المنظومة التعليمية؛ نساء يحتفى بهن -ولو رمزيا- باعتبارهن جزءا من الجهاز الإداري الرسمي، ونساء أخريات يتركن في الهامش، في وضعية هشة، تدار بعقود غير متكافئة، تجعل كثيرات منهن أقرب إلى عاملات بلا حماية حقيقية.


ولعل الأكثر إيلاما في هذه المفارقة ليس مجرد التفاوت في ظروف العمل، بل ذلك الصمت المؤسسي الذي طال هذه القضية لسنوات.. صمت يجعل بعض الجهات تبدو وكأنها اختارت دور “الشاهد الذي لم ير شيئا”، رغم أن القصص التي ترويها الأستاذات عن معاناتهن تكفي لأن تحرك الضمائر قبل الملفات.


ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الرسمية عن تطوير التعليم الأولي، وعن توسيع تعميمه باعتباره ورشا استراتيجيا للمنظومة التعليمية، تتحدث الأستاذات -في المقابل- عن واقع مختلف؛ اقتطاعات غير مبررة، تهديدات مبطنة، ضغط نفسي دائم، وحقوق أساسية تضيع بين بعض الجمعيات والبيروقراطية… وفي الخلفية، يظل سؤال المال العمومي حاضرا بقوة؛ كيف تصرف الموارد المخصصة لهذا القطاع؟ ومن يراقب طرق تدبيرها؟ وكيف يمكن أن تستمر معاناة هذه الفئة لسنوات دون مساءلة جدية؟


إن ما جرى اليوم في بهو المديرية بأسفي لم يكن مجرد حادث عابر، ولا مجرد صدفة مكانية جمعت بين نشاط احتفالي وإجراء إداري.. لقد كان في الحقيقة، صورة مكثفة لمفارقة أعمق داخل المنظومة؛ مفارقة بين الخطاب الرسمي حول إنصاف المرأة، وبين واقع تعيشه فئات من النساء العاملات في صمت.


فهل ستستيقظ الجهات المختصة أخيرا لإيقاف نزيف هذا الاضطهاد الذي طال أمده، وأنهك جيلا كاملا من أستاذات التعليم الأولي؟


وهل تتحول جلسات الاستماع إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار إلى حقوقهن، وتضع حدا لمسلسل الابتزاز الذي تتحدث عنه شكاياتهن؟
أم إن الحكاية ستستمر كما كانت لسنوات… توزع فيها الورود في الواجهات، بينما تكدس الشكايات في المكاتب؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة لن تحدده الكلمات التي تقال في الاحتفالات، بل القرارات التي ستتخذ بعد أن تغلق الأبواب وتقرأ الملفات.
فكرامة النساء لا تقاس بعدد الورود التي تهدى لهن في يوم رمزي واحد، بل بمدى صون حقوقهن في كل أيام السنة!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى